محمد غازي عرابي
811
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
قوله سبحانه : عَذابَ الْخُلْدِ ذو رقيقة ، ذلك أن الصفة خالدة لأن ربها خالد ، وما دام المحجوب محجوبا بصفته فهو بالتالي خالد خلود صفته ، كما أن حجابه خالد خلود صفته الحاجبة ، وذهبت الصوفية في تفاسيرهم مذهبا يقول إن تواؤم الصفة والموصوف يجعل الموصوف في اتفاق مع الصفة فيكون العذاب عذوبة كما قال ابن عربي : يسمى عذابا من عذوبة طبعه ، وقال جلال الدين الرومي : لما كان الكفار قد جاؤوا من جنس سجين فإن سجن الدنيا وافق هواهم ، وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : ( الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ) . [ سورة السجدة ( 32 ) : آية 15 ] إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ( 15 ) [ السجدة : 15 ] السجود السجود للّه ، أي وضع الجبهة التي خلفها الدماغ والأنف الذي فيه النفس على الأرض التي هي أرض اللّه ، فيكون الإنسان بهذا قد أسلم نفسه ونفسه - بفتح الفاء - وفكره للّه صاحب النفس والنفس والفكر ، فيكون الإنسان بهذا قد أتم سجوده وأقام الصلاة . [ سورة السجدة ( 32 ) : آية 16 ] تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ( 16 ) [ السجدة : 16 ] الآية تصف مجاهدات السالكين الشاقة والكثيرة ، ويعد الصوفيون أشياخا كبارا في وصف طريق المجاهدات ، كما فعل الإمام الغزالي في الإحياء ، وفريد الدين العطار في منطق الطير ، والقشيري في الرسالة القيشيرية ، وسير الصوفية حافلة بمجاهداتهم من أجل الوصول إلى اللّه ، وتعد حياة رابعة مثلا يحتذى لامرأة تجافى جنبها عن المضجع وقامت الليل مسبحة للّه ، هائمة به حبا ، شاكرة لأنعمه وأنواره . [ سورة السجدة ( 32 ) : آية 17 ] فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 17 ) [ السجدة : 17 ] قوله : قُرَّةَ أَعْيُنٍ [ الفرقان : الآية 74 ] يعني الوصول إلى عين الجمع حيث تقر الأعين بالعين الجامعة الواحدة التي هي العين الإلهية وبدلا من أن ينظر الإنسان إلى الكون بعينه ينظر بتلك العين الجامعة ، أي ينظر ثمت بعيون كثيرة ما دامت العين الإلهية هي مجموعة العيون أو الأعيان ، ومتى وصل الإنسان هذا المقام استراح وأيقن واستسلم وقرت عينه فهو في رياض العلم يحبر . [ سورة السجدة ( 32 ) : الآيات 18 إلى 20 ] أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ ( 18 ) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى نُزُلاً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 19 ) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النَّارُ كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ( 20 ) [ السجدة : 18 ، 20 ]