محمد غازي عرابي

787

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

اعتمادا على ما كان موجودا من الشعر ، إذن لقد قالت الشعراء الشعر معتمدة السماع أو ما يسمى الأذن الموسيقية ، وكانت الأذن الموسيقية من الدقة وكان لها من الإحساس بالنغم بحيث تم نظم كل بحور الشعر وفق قواعد خفية اكتشفها العلماء فيما بعد . كانت الشعراء ينظمون الشعر وفق الإيقاع الداخلي فلا يخطئون ، وكان الناس يسمعون الشعر فيقومونه وفق السماع الذي لديهم فلا يخطئون أيضا . ومثلما أن الوطاويط لا تغلط في تمييز أصوات فراخها كذلك لا تغلط الأذن الموسيقية سواء في نظم الشعر أو في سماعه وإن بلغت بيوت الشعر الملايين . والشعراء الكبار حين ينظمون الشعر لا ينظمونه متبعين قواعد بحور الشعر أولا ، بل هم ينظمون على السجية والفطرة أولا ، ثم يطابقون ما نظموه على قواعد البحور ، ومثلما أن الشعراء القدامى نظموا الشعر وفق قواعد السماع الغامضة والخفية كذلك فإن الشعر العظيم ظل ينظم وفق هذه القواعد حتى يومنا هذا ، ويوجد من بين الشعراء شعراء ينظمون الشعر دون أن يعرفوا قواعد البحور ، وهم يحكمون على صحة شعر يسمعونه ويقدمونه على الرغم من جهلهم تلك البحور . وفي الموسيقى الشرقية هناك المقام ، وهو قواعد موسيقية شرقية معروفة تدرس وتكتب وتعزف ، ومع هذا فهناك موسيقيون ومطربون يضعون ألحانا ويغنون أغاني وفق المقام مع جهلهم النوتة الموسيقية قراءة وكتابة . فالسماع هو الحاسة المعتمدة في عالم الفن ، وهو القاعدة التي تبني عليها أبنية الموسيقى والشعر والنثر . وما دام الإنسان قد قلد الحيوانات أصلا ، وما دامت الحيوانات مخلوقات غير ناطقة فالنتيجة إن الحاكم خلف هذه الظواهر هو الروح الذي له الفعل والأمر ، والذي شاء أن تكون للحيوانات ألسنتها ، كما شاء للإنسان أن ينطق ، وأن يكون للناس ألسنة مختلفة كما جاء في الآية ، ولو شاء الروح أن يكون للناس لسان واحد لفعل كما فعل بالحيوانات التي يوجد لكل نوع منها لسان واحد ، ولكنه شاء أن تختلف ألسنة الناس مثلما شاء أن تختلف ألوانهم . واختلاف الألوان آية أخرى من آيات اللّه ، فلقد أثبتت التجارب أن للون خصائصه التي تبقيه على مر القرون ، فلقد زوجوا بين أرانب بيض وأرنب سود فجاء النسل ذا لونين أبيض وأسود مختلطين ، فلما زوجوا بين النسل الجديد ظهر نسل ثالث فيه اللون الأبيض واللون الأسود مفترقان ، أي أن ألوان النسل الثالث عادت فماثلت النسل الأول .