محمد غازي عرابي
785
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
البشرية الصورة الإلهية ، وإلا فالإنسان الترابي لا يمتاز عن غيره من المخلوقات ، ولكن اللّه فضله بتجليه له وإسباغه صفاته عليه . [ سورة الروم ( 30 ) : آية 21 ] وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( 21 ) [ الروم : 21 ] للآية بطنان ، الأول خلق الذكر والأنثى لعمران الأرض واستمرار الحياة ، والثاني خلق الإنسان من نفسين كما قال سبحانه : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها [ الأعراف : 189 ] ، وهذا ما يسمى الشفع وأصله الوتر ، والغاية منه إحداث الحوار الذاتي في النفس المتألفة من فاعل ومنفعل ، أما الفاعل فهي الحقيقة المطلقة المسماة الهوية والتي تحوي الجواهر والمعقولات ، وأما المنفعل فهو تلقي المعلومات من الفاعل عن طريق الوحي والإلهام تحقيقا للقصد وهو تعليم الإنسان ، فالإنسان زوجان اثنان موجودان في هيكل واحد وهذا ما عبر عنه سبحانه في موضع آخر بقوله : وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ [ الذّاريات : 49 ] أنشد الحلاج قائلا : عجبت منك ومني * يا منية المتمني أدنيتني منك حتى * حسبت أنك إني وذبت في الوجد حتى * أفنيتني بك عني [ سورة الروم ( 30 ) : آية 22 ] وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ ( 22 ) [ الروم : 22 ] النطق هو ما يميز الإنسان من بقية المخلوقات ، والنطق صوت ، ولقد فصلنا الكلام في الصوت في كتابنا الإنسان الكبير قائلين إن الصوت موسيقى ، فتكون أصوات المخلوقات كلها موسيقى صادرة عن الروح الذي هو أصل الموسيقى باعتبار السلم الموسيقي يقوم على أسس عددية ، فالفواصل الموسيقية الرئيسية في السلم الموسيقي يمكن أن يعبر عنها في نسب من الأعداد الأربعة الأولى ، وهذه الأعداد مجتمعة تشكل العدد عشرة الذي كان له عند الفيثاغوريين دلالة مقدسة ، وقال الفيثاغوريون : لما كانت الموسيقى ذات قوة خاصة على الروح ، وهي التي تتخلل الكون ، فإن العالم كله لا بد أن يكون على نحو ما مؤلفا من العدد وعناصر العدد ، وبالتالي عناصر العالم هي العدد الزوجي ويمثل اللامحدود ، والعدد الفردي ويمثل الحد وقلنا إن الوطاويط عندما تعود إلي الكهوف والغيران تهتدي إلى صغارها عن طريق زقزقتها ، أي أن الأم تميز فرخها من زقزقته ، أي أن لكل فرخ من تلك الأفراخ التي يبلغ