محمد غازي عرابي

781

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

سورة الروم بسم اللّه الرّحمن الرّحيم [ سورة الروم ( 30 ) : الآيات 1 إلى 7 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ألم ( 1 ) غُلِبَتِ الرُّومُ ( 2 ) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ( 3 ) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ( 4 ) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 5 ) وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 6 ) يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ ( 7 ) [ الروم : 1 ، 7 ] موضوع الآيات القضاء والقدر المتعلقان بالعلم المطلق والعلم المقيد ، والوجود المطلق والموجود المتعين ، والآيات تبين فعل القضاء الذي هو قرار سابق لا خروج عليه ولا تبديل له يكون في اللوح المحفوظ مطويا ثم ينشر ، ويتم نشره بواسطة أحداث الوجود . ولقد غلبت فارس الروم ، والروم أهل كتاب وفارس عبدة أوثان ، والقضاء الإلهي يقضي بأن يغلب أهل الكتاب عبدة الأوثان حتى وإن حدث في البداية العكس . . ولهذا كان الإعلان الإلهي أن الروم بعد أن غلبوا سيغلبون ، وبالإضافة فلقد حدد الميقات الذي سيتحقق فيه الغلبة للروم وهو بضع سنين ، أي من ثلاث سنين إلى تسع ، ولقد تحقق ما قاله الحق حين التقى الجيشان في السنة السابعة في أرض الجزيرة وغلبت الروم فارس . وتوضح الآيات أن القرار السابق سيطبق في الواقع حتى وإن حدث ما سميناه التكتيك أي المناورة ، أي التطور الذي هو صفة المعلومات الخاضعة لتغير الزمان والمكان ، فإذا كان القرار السابق هو القضاء فالمناورة من كر وفر والتفاف ومباغتة واستدراج هذه المناورة هي القدر ، وكلاهما للّه جميعا ، فاللّه قضى أزلا بغلبة الروم ، فإذا انتصرت فارس فانتصارهم مؤقت لا بد أن تتبعه هزيمة على يد الروم ، والأمر كله فعل إلهي وصفه تعالى بقوله : لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ . والآيات ذات مدلول عظيم للمؤمنين فلقد سأل سائل الرسول يوما قائلا أرأيت رقى نسترقيها ودواء نتداوى به هل يرد من قدر اللّه ؟ فأجاب النبي هي من قدر اللّه ولما أراد عمر رضي اللّه عنه ، دخول دمشق سمع أن الطاعون فشا فيها فأمر بالرجوع ، فقال له رجل : أفرارا من قدر اللّه يا عمر ؟ فأجاب : نفر من قدر اللّه إلى قدر اللّه . فالتخطيط السابق والتنفيذ اللاحق هما من فعل اللّه ، وسمي عبد الكريم الجيلي هذه العملية