محمد غازي عرابي

780

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

نجاة الإنسان من بحر الهيولى المطلقة إلى التعين والتجسيد وإبراز الصفة ، لكن الكافرون ، يجحدون هذه الحقيقة ويعتمدون الصفة وينسون مالكها ، ويردون الفكر إلى الإنسان وما الإنسان إلا ميدان نشاط قوة الفكر . . نقول قوة لأن الإنسان قلبا ونفسا وجسما وآلات وجوارح ونشاطات هو مجموعة قوى هي للّه عز وجل ، فنسيان صاحب الملك شرك . [ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 67 إلى 68 ] أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَ فَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ ( 67 ) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُ أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ ( 68 ) [ العنكبوت : 67 ، 68 ] الحرم الآمن مكة والإشارة إلى الصدر مستودع الروح ، والروح آمن لأنه الأصل ولأنه الفعل ولأنه الحقيقة ، فمن آمن بالروح وقدراته وسلم أمره ظاهرا وباطنا إليه أمن وارتاح ونزلت السكينة في قلبه ، وإلا فهو حيران ضائع مشرد تتخطفه الأفكار والهموم ، والشكوك والمخاوف كما هو حال الكثرة الكاثرة من الناس . [ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 69 ] وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ( 69 ) [ العنكبوت : 69 ] الإحسان هنا هو العلم ، ولهذا قال اللّه في موضع آخر في يوسف عليه السّلام : وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ( 22 ) [ يوسف : 22 ] ، ومعلوم أن مقام يوسف أفاده تعبير الرؤيا وتأويل الأحاديث . وفي الآية أن الذين يجاهدون في اللّه يهديهم سبله ، ولقد تكلمنا عن الجهاد وضرورته وكونه فرضا والحكمة منه ، فإذا تم فلق المعقولات بالجهاد هدي الإنسان سبل اللّه حيث تنكشف المعقولات وسرها فإذا اللّه حاضر ، وإذا هو جامع بين التضاد ، فإذا تحقق للإنسان هذا صار محسنا أي عالما العلم الإلهي العظيم .