محمد غازي عرابي
776
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
[ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 56 ] يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ( 56 ) [ العنكبوت : 56 ] أرض اللّه الدائرة الأسمائية الوجودية التي باطنها الحق وظاهرها الخلق والمدخل الجهاد كما سبق أن قلنا في كنابنا الإنسان الكبير ، مشترطين على المسلمين ألا يدخل الإيمان في قلوبهم إلا بعد الجهاد شارحين علة هذا ، وهو قصد فلق المعقولات ، فمثل الإنسان والجهاد مثل المرأة تحمل وتضع وهنا على وهن ، فلا ترى وليدها إلا بعد مشقة مفروضة هي سنة اللّه في خلقه . أما بعد مجيء اليقين فالأبواب واسعة ، إذ يخرج المحسن المتقي من أسر صفته إلى مركز الصفات الجامع ، وقال ابن عربي سرح أعياننا وأباح لنا التصرف في ما كان حجره علينا ، ففي هذا المقام سعة ، فالمتقي بلغ ربه وعرفه ، فكما أن الوجود كله للّه كذلك فإن للخليفة الحق في استعمال ملك مولاه بإذنه ومشيئته . [ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 57 ] كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ ( 57 ) [ العنكبوت : 57 ] سبق أن تحدثنا عن الموت الذي هو موتان الموت الطبيعي والموت المعنوي ، والطبيعي معروف ومحتوم ، أما المعنوي فهو للعارفين الذين عاشوا الفناء وهم أحياء ، ذلك لأنه لدى بلوغ الأفق الأعلى تلتحق الأنا الجزئية بالأنا الكلية فتفنى فإذا الوجود كله عائم في يم الوجود المطلق ، ويرى الفاني نفسه والناس من حوله عائمين في هذا البحر دون أن يكون لهم من وجود سوى الوجود الإلهي نفسه ، فهو المطلق وهم التعينات ، وهو الحي وهم الأموات ، وهو الباقي وهم الزائلون . وغياب شبح الأنية في هذا اللقاء الإلهي شديد وعظيم ، فمن حيث الأنية يرى المشاهد نفسه أنه الوجود الكبير ، وله إطلاقه وسرمديته وقدرته وعظمته ، ولا يرى فارقا بين أن يكون له الإطلاق وبين أن يكون متعينا ، ولا يكون للتعين من قيمة في هذا الشهود سوى أن يشعر الفاني أنه كان في الهيكل المادي حبيسا ، ثم انطلق منه إلى الآفاق العلى طاويا الزمان والمكان مشاهدا الناس وقد أدرجوا في أكفانهم أحياء يغدون ويروحون ويتكلمون ، وما يعلمون أنهم هم الحق مشخصون مسخرون لحمل صفاته ، قائمون به لا بأنفسهم . فالرجوع الذي ختمت به الآية رجوعان رجوع معجل ورجوع مؤجل . . أما المعجل فهو نتيجة كشف حقيقة الإنسان وكونها هي الحقيقة الإلهية ولكن متعينة متشخصة ، وأما المؤجل فهو مصير العارف الذي عاش الفناء ذوقا فالتحق بربه واتحد به لا بمعنى أن شيئا دخل في شيء والتحق به ، بل بمعنى أن الجزء صار الكل بعد أن فصل الكل منه هذا الجزء وجعله في