محمد غازي عرابي
774
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
التقليدي صبغة اجتماعية أي خارجية ، ووصفها سبحانه بقوله : قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا [ الحجرات : 14 ] ، فالدين التقليدي اتباع الآباء والأجداد والبقاء وراء أسوار الأعراف والتقاليد . أما دين التحقيق فهو النور الذي يجعله اللّه في القلب ، فينتبه من غفلته ويبدأ هجرته إلى اللّه ، وأتباع هذا الدين مجاهدين بالفطرة يجاهدون أنفسهم والعدو من الكفار والمنافقين ، ويصرون على جعل كلمة اللّه هي العليا ، وهؤلاء الذين وصفهم اللّه بقوله : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [ التّوبة : 111 ] ، إذ مآل أتباع هذا الدين الشهادة الصغرى منها أو الكبرى ، ولقد عرفنا الشهادة بالشهود الإلهي ، وأتباع الدين التحقيقي متشابهون وإن كان منهم الموسوي والنصراني والمحمدي ، ولهذا عرف هؤلاء بعضهم بعضا ، وآمنوا بما أنزل إلى كل منهم ، ولقد قال سبحانه في النصارى : لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ( 82 ) وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ ( 83 ) [ المائدة : 82 ، 83 ] . [ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 48 إلى 53 ] وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتابَ الْمُبْطِلُونَ ( 48 ) بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الظَّالِمُونَ ( 49 ) وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 50 ) أَ وَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 51 ) قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ( 52 ) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَوْ لا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 53 ) [ العنكبوت : 48 ، 53 ] نقلة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم من إنسان عادي يتجر في مال زوجه خديجة رضي اللّه عنها إلى إنسان عظيم مبشر برسالة سماوية ، نزل عليه الوحي فعلمه وآتاه القرآن ، هذه النقلة حيرت العلماء الدارسين والنقاد الباحثين ، وكانت أعظم آية على إعجاز هذه الشخصية أن صاحبها كان أميا لا يقرأ ولا يكتب ، وظل كذلك حتى بعد نزول الكتاب عليه ، حتى أن كتابا جعلوا يكتبون القرآن عنه ويستنسخون ، وتعد تعليقات النبي على ما جاء في القرآن من قصص وأخبار وأحداث إعجازا في حد ذاتها ، ولقد عاش كاتب هذه السطور تجربة الكشف والذوق وشاهد بعين البصيرة انكشاف أسرار الملكوت ، وسار في درب العلم اللدني خطوة خطوة ، فإذا به يرى الرسول