محمد غازي عرابي

771

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

هيكليّ الجسم نوريّ الصميم * صمديّ الروح ديان عليم عاد بالروح إلى أربابها * فبقي الهيكل في الترب رميم وأنشد ابن الفارض قائلا : فلو كشف العّواد بي وتحققوا * من اللوح ما مني الصبابة أبقت لما شاهدت مني بصائرهم سوى * تخلل روح بين أثواب ميت فالإنسان مزيج من نفس مادية ترابية وجوهر روحاني خالد باق ، فإذا نجا برحمة من اللّه من هذا البحر المهلك إلى ذلك البحر الخالد فاز الفوز المبين وجاءه النصر العظيم ، وإلا فالإنسان هالك ، ليس له إلا حمل الصفة وإظهارها والخضوع لأمرها تقوده يمينا وشمالا ثم مآله العدم ، قال جلال الدين الرومي : ليس من جزاف القول ما قاله الكبراء إن أجسام الطاهرين تكون صافية كأرواحهم ، فأقوالهم ونفوسهم وصورهم جاءت كلها روحا مطلقا ، وروح عدوهم ليست إلا جسما ماديا صرفا ، فهي لا تعدو أن تكون اسما ، وقد دفن بالتراب جسم هذا العدو فصار كله ترابا ، وأما جسم الولي فقد دفن في الملح وصار كله طاهرا . [ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 36 إلى 37 ] وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ( 36 ) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ ( 37 ) [ العنكبوت : 36 ، 37 ] الرجفة تطاير العالم المادي ونسفه نسفا عند انكشاف حقيقته كما ذكرنا من قبل ، وهذه الرجفة تشاهدها العلماء المعاصرون في مختبراتهم ، ويرون كيف يستحيل الوجود ذرات وذريرات وفوتونات وجسيمات دقيقة تعمل وفق نظام عجيب ما يزالون يحاولون جادين كشف أسراره وماهيته . [ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 38 إلى 39 ] وَعاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ ( 38 ) وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَما كانُوا سابِقِينَ ( 39 ) [ العنكبوت : 38 ، 39 ] الأسماء المذكورة إشارة إلى الفكر واعتماده الأسباب دون الرجوع إلى مسبب الأسباب ، وقوله : وَما كانُوا سابِقِينَ يعني أن خروج الإنسان على ربه هو بمشيئة إلهية ، كما شاء اللّه أن يخرج إبليس عليه لحكمة بيناها من قبل ، فقارون وفرعون وهامان يمثلون الشطر السلبي الذي يقابل الشطر الإيجابي الذي يمثله نوح وإبراهيم ولوط ، والشطران وجها الحقيقة الخالدة التي قضت أن تخرج ما في خزائنها عن طريق الأضداد .