محمد غازي عرابي

765

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

يعملون السيئات لا يسبقون اللّه ، أي لا يخرجون عليه ، وذلك لأن الاسم الإلهي الذي هو من الكليات المطلقات يظل القاهر بعد التعرض للفتق والتفصيل وللتردد والتذبذب كما سبق لنا الحديث عن هذا من قبل . [ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 5 ] مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 5 ) [ العنكبوت : 5 ] لقاء اللّه نتيجة طبيعية للمطبوع قلبه بنور الإيمان ، والرجاء الإنساني من آثار دعوة اللّه عبده إليه ، فإذا رجا العبد فاللّه هو الذي جعله يرجوه ، ولولا حكم اللّه القبلي ما كان للفعل البعدي أن يتحقق . [ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 6 ] وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ ( 6 ) [ العنكبوت : 6 ] الجهاد أيضا تحقيق المشيئة الإلهية السابقة التي قضت بوجود الجهاد على صعيدي الإيمان والكفر ، فلو لا الكفار ما كان للمؤمنين أن يجاهدوا ، ومن هذا المنظور الصوفي الجمعي يكون الكافرون مجاهدين أيضا ، إذ الشيء بنقيضه يعرف ، فالمجاهدون يجاهدون الكفار ، والكفار يجاهدون المؤمنين ، وتبقى كلمة اللّه هي العليا برفع الجهاد الأول فوق الجهاد الثاني وجعله هو الجهاد حقا ، وهذا هو الخيط الرفيع في السورة التي سميت العنكبوت . [ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 7 ] وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ ( 7 ) [ العنكبوت : 7 ] تكفير السيئات كشف الهوية التي هي مجمع البحرين في الذات الإنسانية ، فلقد قلنا إن السيئة ظهور الأنا ، وتكفيرها فناؤها وظهور اللّه فيها وبها ، ومتى كشف للإنسان الحجاب جوزي أحسن الذي كان يعمل ، وأي جزاء أفضل من لقاء اللّه وتعرفه والفناء فيه ؟ [ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 8 ] وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 8 ) [ العنكبوت : 8 ] الوالدان ظاهران وباطنان ، والباطنان الروح الفاعل والنفس المنفعلة ، فمن الاثنين ولد الإنسان وعاش ، والوصية الحسنى معرفة دور كل من الوالدين الظاهرين والباطنين . وقوله : وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي محاولة من قبل الروح والنفس لطبع الإنسان بطابع الأنية والصفات المحلية ، وهو الدور الذي يلعبه الوالدان بمشيئة اللّه بالإنسان وبحكم اسمه المضل ، فإذا أشرق نور الهدى وجب على المهدي الخروج على هذا الشرك الخفي والعودة إلى الصراط المستقيم .