محمد غازي عرابي

763

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

الإنسان ما لم يعلم . والرسل عامة ما تعلموا على أحد ، وكان أكثرهم أميين رعاة فقراء ، ومع هذا فعندما تمت كلمة اللّه تعلم هؤلاء الأنبياء علوما ما تزال موضع الاحترام ومثار الدهشة حتى يومنا هذا . [ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 82 إلى 83 ] وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْ لا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ ( 82 ) تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ( 83 ) [ القصص : 82 ، 83 ] الإشارة إلى الموت الطبيعي ، وهو عودة من جبل من التراب إلى التراب ، يعود جاهلا مثل صبي علما أنه قد يكون من قبل خرفه فيلسوفا عظيما كما حدث لكانط ، فمآل الفكر المادي إلى التراب ، وما هذا الشعاع الذي أنار ميدان الفكر إلا الشعاع الإلهي الذي بفضله استوى الإنسان على عرش الوجود المادي ، فإذا استرد اللّه عاريته فني الإنسان وعاد وكأنه ما كان وهذا ما أشارت إليه الآية بالخسف . [ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 84 إلى 87 ] مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 84 ) إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 85 ) وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ ( 86 ) وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 87 ) [ القصص : 84 ، 87 ] الحسنة الإحسان ، وهي كما قلنا الاعتراف للّه بالفضل ، فمن انخلع عن نفسه رد اللّه عليه نفسه ومعها علم الإشراق العظيم الذي سمي في الآية الخير . أما السيئة فهي البقاء خلف حجاب الأنا ، والجزاء السجن الفكري نفسه ، إذ الإنسان سجين فكره ، ولا تستطيع قوة في الأرض أن تخرجه من فكره ، حتى المجنون مؤمن بأنه أعقل العقلاء . [ سورة القصص ( 28 ) : آية 88 ] وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 88 ) [ القصص : 88 ] قوله سبحانه : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ يعني صلة النفوس الجزئية بالنفس الكلية المشتقة من الروح أو العقل الأول الصادر بدوره عن الحق ، والاشتقاق والترابط دائمان ، إذ لا فرق على الحقيقة بين الباطن والظاهر ، ولهذا سمى سبحانه نفسه الظاهر والباطن ، وعلى هذا فالناس كما قدمنا هم الميتون الأحياء ، وما من حي حقيقي سوى الحي بذاته .