محمد غازي عرابي
757
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
والحقيقة أن هذا الشق الحادث بين الروح والنفس يقتضيه فض سرائر المعقولات من الأسماء ، فالأمر أشبه بحال أستاذ يحاول حل معادلة صعبة من وضعه هو ، قال شيلنغ الفيلسوف الألماني : العقل إدراك لذاته ، ومشاهدة ذاته ، وتصوير لذاته وتشكيل لذاته ، وإنتاج لذاته بذاته ، فالعقل موضوع نفسه . وقال الموضوع ليس معطى من الخارج ، بل هو فعل من أفعال العقل وبنشوء الموضوع ينشأ الوعي أو الشعور في نفس الوقت ، ومن الشعور بالموضوعات ينشأ شعور العقل بذاته ، ولهذا فإن الشعور الذاتي الكامل للعقل إنما يتم بأفعال العقل بوصفها تنشء موضوعات وتطور هذه الأحوال هي تاريخ الشعور الذاتي . فالبعث هذا التحاق الجزئي بالنفس الكلية التي يضيء سراجها بزيت الروح الكلي فإذا النتيجة هذا الإشراق الإلهي الوجودي للكون كله . وإذا الإنسان خالد ، أما من لم يبعث في أم نفسه رسولا من الروح يعلمه ويزكيه ويهديه فهو كالأنعام وموته كموت الأنعام ، قال الإمام الغزالي : من لم يسافر إلى عالم الملكوت ، وقعد به القصور في عالم الشهادة فهو بهيمة بعد محروم من خاصية الإنسان ، بل أضل من بهيمة ، وقال فيثاغورس : إذا فعلت الخير ثم فارقت هذا الهيكل كنت سائحا في الملكوت غير صائر إلى الأنسية ولا قابلا للموت . [ سورة القصص ( 28 ) : آية 60 ] وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 60 ) [ القصص : 60 ] قال كانط : للعقل مجال الظواهر ، وللأخلاق مجال الشيء في ذاته ، وهذا ما عبرت عنه الآية ، فكل ما يؤتاه الإنسان هو من قبل عقله سواء أكان ذلك الانطباعات الحسية أو الانشغال بقضاء الوطر من زينة الحياة الدنيا ، أو كان التجريدات العقلية كما هو حال الفلاسفة والعلماء البحاثة . وقوله : وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى إشارة إلى العلم الصحيح الثابت ألا وهو العلم الإلهي فهذا من عند اللّه ، وصاحبه مستريح من الهم والغم والعناء كما قال سبحانه في موضع آخر : أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 62 ) [ يونس : 62 ] ، وقال محمد إقبال : ترى فلاسفة بالألوف ورؤسهم مطمورة ، وصاحب الوحي وحده يتحرك ورأسه مرفوع ، وقال أيضا : العمل الذي ينجزه رجل اللّه له ألوان الثابت والخالد ، عمل رجل اللّه يزدهر بالحب ، فالحب نبع الحياة والموت لا يناله ، وقال ابن عربي في كلام العارف : يكون التنزل على صاحب الفتح من المرتبة التي نزل فيها القرآن خاصة ، فإن كلام اللّه لا يزال ينزل على