محمد غازي عرابي

756

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

اللغو الحديث عن غير التوحيد ، والعارف صامت ، وصمته أبلغ من كلامه ، فإذا تكلم ذكر الناس بأصلهم وفرعهم فأبان ، ونهى عن الغيبة ، لأن الغيبة من اللغو ، وتعريفها كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم : ( ذكرك أخاك بما يكره ) ، وكيف يغتاب إنسان إنسانا آخر ، وما الناس إلا مرايا الحق كما قلنا ؟ ولهذا ختمت الآية بقول العارفين : سَلامٌ عَلَيْكُمْ فلا حقيقة في هذا الوجود الديالكتيكي إلا للسلام الذي هو باطن كل تناقض ، وهذا ما ألح على توكيده هيغل وبيان الدور الذي يلعبه النقيض . [ سورة القصص ( 28 ) : آية 57 ] وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَ وَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 57 ) [ القصص : 57 ] التخطف من الأرض انتزاع الأنا من الإنسان وبقاؤه بلا أنا كما قال أبو إسحاق الصوفي ، والفناء مقام عظيم شديد لا يطيقه إلا أولو العزم من الرسل والأولياء ، ومع هذا فبقاء الإنسان بلا أنا يعني بقاؤه باللّه صاحب الأنا العظمى ، وهكذا يستبدل الإنسان بأناه الجزئية أنا كبيرة خالدة عالمة مرشدة ترفع الإنسان من حضيض الناسوت إلى آفاق اللاهوت . [ سورة القصص ( 28 ) : آية 58 ] وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ ( 58 ) [ القصص : 58 ] قلنا القرية كناية عن البدن وقواه ، وقوله : وَكَمْ أَهْلَكْنا يعني هلاك كل قرية بطرت معيشتها ، أي أنكرت حق اللّه عليها وهو خالقها وبارئها ومصورها في الرحم كيف يشاء ، فإذا رغب الإنسان عن اللّه ظل أسير أنيته وجسده ، وكلاهما مدرج في العدم ، لأن الإنسان من العدم جاء ، وإليه يصير ، ما لم يدخله اللّه في رحمته ويدخله في عباده الصالحين من الرسل والأولياء أجمعين . [ سورة القصص ( 28 ) : آية 59 ] وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلاَّ وَأَهْلُها ظالِمُونَ ( 59 ) [ القصص : 59 ] قوله سبحانه : يَبْعَثَ فِي أُمِّها يعني البعث الروحاني للنفس الجزئية ، والبعث يكون للأم باعتبار الأم النفس الكلية التي هي أم النفوس الجزئية ، ولما كانت النفس الكلية مرآة اللّه الجامعة خالدة مثله ، وإن كان العالم صورة لها ومجالا لفعلها ، فالنتيجة أن اللّه يبعث في هذه الأم رسولا هو الروح الأمين نفسه ، والأصل ، كما سبق أن فصلنا الكلام فيه في كتابنا الإنسان الكامل ، صدور الروح عن اللّه ، وصدور النفس الكلية عن الروح ، وسمينا هذا الصدور اشتقاقا ، وجعلنا النفس الكلية شقيقة الروح النور الأول .