محمد غازي عرابي

753

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

وقوله سبحانه : وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً إشارة إلى قوة علم التوحيد الذي لا يبقي ولا يذر ، ولا يبقي إلا اللّه الواحد القهار ، له الملك في الدارين ، قال أبو إسحاق الصوفي : يا واحدي بالتحقيق ، يا جاري اللصيق ، أخذتني مني ولم تبقني علي ، فها أنا بلا أنا . [ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 38 إلى 39 ] وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ ( 38 ) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ ( 39 ) [ القصص : 38 ، 39 ] هامان إشارة إلى الفكر وقد تطاول بما صار في خزانته من المعقولات فاغتنى ، وقوله : عَلَى الطِّينِ إشارة إلى كل معقول مستخلص من محسوس والمحسوس طين أي مادة ، والصرح جلوس النفس على عرش المعقولات الحسية والمعنوية لترى ما إذا كان ثم إله ، والقضية عالجها كانط كاشفا عن أن الفكر متاهة ، وأن بالإمكان إثبات وجود اللّه بالأدلة المنطقية وإثبات عدم وجوده ، ورفض هو شخصيا الإتيان بأدلة على وجود اللّه . والملاحظ في المحاورات الجارية بين المؤمنين والكافرين أن كلا منهم يستخدم فكره أي عقله ، ومع هذا لا يستطيع فريق أن يقنع الآخر ، وقال أرسلان الدمشقي : من يطلب اللّه بالعقل يضلل ، فالمعقولات من غير نور الإيمان ليست مؤهلة لكشف وجود اللّه ، ولهذه الحقيقة نكتة . . ذلك أن اللّه هو المسمي نفسه المضل الهادي ، جاعلا الهدى والضلالة من فعله هو ، فلو أن العقل استطاع الوصول إلى نتيجة حاسمة بصدد الوجود الإلهي لما وقع خلاف بين الناس ، ولآمنوا بالنظر الفكري والقياس المنطقي جميعا أو كفروا ، ولكنه سبحانه أراد أن يكون هو القاهر وهو المضل وهو الهادي ، وجعل الإيمان من فعله هو ، قال سبحانه : مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً [ الكهف : 17 ] . [ سورة القصص ( 28 ) : آية 40 ] فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ( 40 ) [ القصص : 40 ] قلنا اليم الهيولى المادية ، ونبذ فرعون وجنوده في اليم نتيجة لكونه من أتباع النفس الحيوانية المادية التي لا انفصال لها عن المادة ، فمن لا يتخلص من شباك نفسه المادية فهو مغرق في يم المادة صائر إلى العدم ، قال جلال الدين الرومي : ليس من جزاف القول ما قاله الكبراء إن أجسام الطاهرين تكون صافية كأرواحهم ، فأقوالهم ونفوسهم وصورهم جاءت كلها روحا مطلقا ، وروح عدوهم ليست إلا جسما ماديا صرفا ، فهي لا تعدو أن تكون اسما ، وقد دفن بالتراب جسم هذا العدو فصار كله ترابا ، وأما جسم الولي فقد دفن في الملح وصار كله طاهرا .