محمد غازي عرابي

752

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

باليد البيضاء التي هي اليد النورانية التي وصفها الإمام الغزالي في الإحياء والتي هي ذاتية الوجود العياني نفسه ، وأشير إلى هذه الذاتية بقوله سبحانه : اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ ، أي أدخل يدك الظاهرة في جيبك أي في قميصك ، والقميص هو النور كما فسرناه في سورة يوسف ، والنتيجة ظهور النور الإلهي الذي أفاض السهروردي في وصفه في كتبه وخاصة في ( حكمة الإشراق ) حيث جعل اللّه نور الأنوار ، والروح النور الأول ، والإنسان النور العارض لوجوده في هيكله البدني بشكل عارض ، فما الإنسان إلا وعي عرضي مؤقت متى جاء لميقات ربه انكشف عن وجود النور الإلهي فيه ففني . [ سورة القصص ( 28 ) : آية 33 ] قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ ( 33 ) [ القصص : 33 ] قتل النفس هو الفناء للأنا الجزئية الذي سبق الحديث عنه ، والصوفية تحدثوا عن هذا الفناء للإرادات والموجودات الجزئية كما قال التستري : إعلموا أن هذا زمان لا ينال أحد فيه النجاة إلا بذبح النفس ، وكما قال ابن سينا : العارف إذا انقطع عن نفسه واتصل بالحق رأى كل قدرة مستغرقة في قدرته المتعلقة بجميع المقدورات ، وكل علم مستغرق في علمه الذي لا يعزب عنه شيء من الموجودات ، وكل إرادة مستغرقة في إرادته التي يمتنع أن يتأبى عليها شيء من الممكنات . [ سورة القصص ( 28 ) : آية 34 ] وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ ( 34 ) [ القصص : 34 ] هارون إشارة إلى الروح الكلي وقد صار اللسان الناطق ، والروح هو الناطق على ألسنة كل المخلوقات وأصولها وبخاصة الإنسان ، ومع هذا فهو لا يكشف نفسه إلا متى جاء الميقات وقامت قيامة الإنسان الصغرى فإذا اللّه ظاهر والإنسان فان ، وكل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام . [ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 35 إلى 37 ] قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ ( 35 ) فَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُفْتَرىً وَما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ ( 36 ) وَقالَ مُوسى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ( 37 ) [ القصص : 35 ، 37 ] الإشارة إلى النبي المرسل برسالة ، والولي العارف المحقق وقد شد أزرهما بالروح الموحي ، وقال جلال الدين الرومي : كل من يتلقى من اللّه الوحي والجواب يكون كل ما يأمر به عين الصواب .