محمد غازي عرابي
751
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
سلامة الفرد والمجتمع ، ويعد النبي محمد صلّى اللّه عليه وسلّم مثلا أعلى للزوج المثالي الروحي ، إذ أن العقيدة الإسلامية التي بشر بها كانت مثالا يحتذى ونظاما أرضيا سماويا ، ماديا وروحيا ، حقق توازنا كاملا بين الذات والموضوع وانسجاما رائعا بين الفرد والمجتمع . والحجج الثماني الحواس الباطنة والحاسة المشتركة الجامعة للحواس الظاهرة مع إحدى العاقلتين ، أما العشر فهي إضافة الحدس وعلم الإشراق اللدني ، وهذا ما حققته الأنبياء جميعا خلال توجههم من العالم الخارجي إلى العالم الباطني واستلهام أنواره وإشراقاته ثم العودة إلى الناس بعلم جامع . [ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 29 إلى 30 ] فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ( 29 ) فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ ( 30 ) [ القصص : 29 ، 30 ] النار رمز التوحيد ، ولدى رؤيتها يستحيل التناقض الفكري إلى وحدة ، ويصير الإنسان موحدا بتحققه أن النار والنور من اللّه جميعا ، وأن إلى اللّه تصير عاقبة الأمور ، وهذا ما أكدته الآية الثلاثون عندما نادى اللّه موسى القلب كاشفا وجوده هو في القلب . وثمت لطيفة في قوله سبحانه : فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ إذ ذكرنا أن الشيخ الأكبر قال إن الشجرة من الشجار ، فبروز اللّه من الشجرة بروزه من الشجار نفسه ، وهذا ما ذكرناه في تفسير الآية التاسعة والعشرين ، فالشجار إذن ذاتي جواني ضروري لإخراج الضنائن من السرائر حيث اللّه ولا أحد إلا اللّه هناك ، وأكد هذا قوله تعالى : إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ فجمع بين الألوهية التي هي وجود صرف مطلق وبين الربوبية التي هي الوجود المتعين ، فيكون اللّه بهذا الجامع للوجودين المطلق والمتعين ويكون بهذا رب العالمين . [ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 31 إلى 32 ] وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ ( 31 ) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ ( 32 ) [ القصص : 31 ، 32 ] سبق أن تحدثنا عن العصا واليد البيضاء ، وقلنا إن العصا إشارة إلى القدرة الإلهية السارية في الموجودات والمحركة لها ، وإن الحركة الظاهرة سببها محرك ذاتي باطن هو الروح ، وأن لولا الروح ما تحرك متحرك ولا سكن ساكن ، وهذه الحركة الذاتية الروحية هي ما أشير إليها