محمد غازي عرابي

745

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

سورة القصص بسم اللّه الرّحمن الرّحيم [ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 1 إلى 2 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ طسم ( 1 ) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ ( 2 ) [ القصص : 1 ، 2 ] قال صلّى اللّه عليه وسلّم : ( ما من آية من آيات القرآن إلا ولها ظهر وبطن ، ولبطنه بطن إلى سبعة أبطن ) ، ولقد فسرنا الميم من قبل كما جاء في أول سورة البقرة تفسيرا وتفسيرنا بطن ، ثم فسرناه ثانيا كما جاء في أول سورة آل عمران تفسيرا آخر وتفسيرنا بطن ثان ، ونفسر الميم هنا على أنه مركز الدائرة الكوني الذي تشع منه عيون حقائق الممكنات ، وبما أن الإنسان جرم صغير انطوى فيه العالم الأكبر كما قال الشيخ الأكبر فمركز الدائرة بالنسبة إلى هذا الجرم هو قلبه ، ولهذا كان اللّه في قلب كل إنسان وهو لا يدري ، ولا يدري سوى الراسخين في العلم المحققين الذين عرفوا حقيقة قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : ( من عرف نفسه عرف ربه ) . [ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 3 إلى 4 ] نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 3 ) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ( 4 ) [ القصص : 3 ، 4 ] بين اسمي موسى وفرعون ، والأسماء إشارات ورموز ، تكمن حقيقة الإنسان ، فموسى القلب الذي استودع الصفة ، والصفة للحق ، وفرعون النفس التي تحاول إبعاد موسى القلب عن ربه ، والإبعاد لحكمة كنا قد ذكرناها من قبل . وفرعون علا في الأرض وأفسد وفرق فهو رمز الفساد كما قال سبحانه على لسان الملائكة من قبل : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها [ البقرة : 30 ] ، وما كل هذا الفساد الذي يعم الأرض سوى آثار وفعل النفس الفرعونية العاتية عن أمر ربها ، وقالت النقاد في ( فاوست ) غوته : الإنسان لا يستطيع أن يصل إلى اللّه إلا عن طريق الشيطان ، لأن الشيطان ، وهو عنوان القلق الأبدي ، سيحفظ الإنسان بغير أن يشعر من الخطر الذي يتهدده على الدوام ألا وهو الراحة المطلقة ، إن النفي أو الرفض الشيطاني سيؤتي ثمرته ، لأنه سيوقظ في الإنسان طاقة خفية ، وليس الشيطان قرين اللّه ولا شبيهه ، ولكنه يحقق وظيفة جزئية داخل النظام الإلهي الشامل وذلك بإغوائه للإنسان ومحاولته أن يبعده عن اللّه ، والشيطان لا يتحدى اللّه ، وإلا كان إلها مثله ، وهو محال ، ولكن وجوده ضروري يحتمه وجود اللّه ، مثلما يحتاج النور إلى الظلام ، والحياة إلى الموت ، والإيجاب إلى السالب ، والجمال الغني الحي إلى الفراغ الأزلي ،