محمد غازي عرابي
742
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
[ سورة النمل ( 27 ) : آية 82 ] وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ ( 82 ) [ النمل : 82 ] الدابة هنا خاصة ، فهي تتكلم ، والفارق بين الإنسان والحيوان أن الإنسان ناطق ، وتعريفه في الفلسفة هو حيوان ناطق . قال سبحانه : ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها [ هود : 56 ] والدابة هنا النسمة ، بفتح السين ، والنسمة الإنسان . وقال سبحانه : وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ [ النور : 45 ] ، والذي يمشي على رجليه الطائر والإنسان . هكذا جاء في تفسير الجلالين . والدابة التي أخرجها اللّه سبحانه الإنسان الكامل ، العارف باللّه ، المحدّث والمكلّم . وهو يتكلم عن وحي وإلهام ، ويكتب إملاء ، كما قال ابن عربي : وما أسجل في هذا المسطور إلا ما يتنزل به علي ، ولست بنبي ولا رسول ، ولكني وارث ولآخرتي حارث . [ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 83 إلى 85 ] وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ ( 83 ) حَتَّى إِذا جاؤُ قالَ أَ كَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 84 ) وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ ( 85 ) [ النمل : 83 ، 85 ] الحشر حشر أسمائي ، فيكون المذلون تحت الاسم المذل ، والضالون تحت الاسم المضل وكذلك مدرجون في الجمع الذي هو في الوقت نفسه مفرد ، والخطاب تمثيلي معنوي أريد به ضرب مثل للمؤمنين ، وإلا فمشخصات أسماء الجلال موتى صم بكم عمي كما وصفوا من قبل ، وهم مدرجون في العدم الذي منه جاؤوا فلا يسمعون خطابا ولا يجدي لهم نصح . [ سورة النمل ( 27 ) : آية 86 ] أَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 86 ) [ النمل : 86 ] من الليل والنهار يكون الوجود ، فالليل هنا الباطن والغيب أي ما استتر من الوجود ، ولولا الليل ما كان النهار والعكس صحيح أيضا ، فالليل كان في اللا أين ثم أوجد الأين ليكون له محلا ، ثم شق الروح منه أشقاء جعلهم في الأين ليكونوا أدواته المسخرات بأمره ولليل صوره من المعاني المستترة فجعل ضياء النهار لتبرز هذه المعاني في صور محسوسة ، فلو لا النهار مارئي من بطنان الغيب وصوره شيء . ولقوله : وَالنَّهارَ مُبْصِراً نكتة ، فهو لم يقل مثلا والنهار لتبصروا فيه بل قال مبصرا ، والمعنى أن عالم العيان هو بمثابة بصر للعالم الروحي ، ولما كان الإنسان سيد المخلوقات