محمد غازي عرابي

634

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

يهدي اللّه المؤمنين ، وكرر فعل الهدى مرتين تأكيدا لكونه تعالى الهادي والذي ليس سواه هاد . فعلى مسرح الحياة ليس ثم إلا المهديون والضالون ، وهذا ما جاء في سورة الفاتحة فاتحة القرآن ، لتحقيق العدل الإلهي البعيد القصد قال ابن عربي : إن أهل النعيم منعمون في نعيمهم وكذلك أهل الجحيم ، وذلك استنادا إلى الحديث القدسي القائل : إن رحمته سبحانه سبقت غضبه ، فيكون غضبه سبحانه مؤقتا ذا أجل إذا انقضى عمت المغفرة والرحمة ، وثمة رحمة رحمانية وجودية تتحقق في تنعم أهل الجحيم في جحيمهم عن طريق تلاؤم الصفة مع الموصوف والعلة مع المعلول ، وقد فصلنا الكلام في هذا الموضوع في كتابنا فتح الوجود ، قال ابن عربي : النعيم ليس سوى ما يقبله المزاج وغرض النفوس ، فحيثما وجد ملايمة الطبع ونيل الغرض كان ذلك نعيما لصاحبه . [ سورة الحج ( 22 ) : آية 25 ] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ ( 25 ) [ الحج : 25 ] الناس في كل زمان ومكان يحاربون التوحيد إلا ثلة من الأولين وقليل من الآخرين ، لأن فيه خروجهم عنهم وفناءهم أو كما قال سبحانه : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ [ التّوبة : 111 ] ، والموحدون قلة من الناس قدامي أحرار ، قدموا من اللاأين كما قال جلال الدين الرومي وحبسوا في هذه الدار دار البوار ، فهم يتشوقون إلى الخلاص والفرار إلى عالم الأنوار ، ولهذا ورد في الآية ذكر سبيل اللّه والمسجد الحرام الذي هو إشارة إلى الجمع حيث الحق والفناء فيه . . . والمعتكفون فيه يمدون أعينهم إلى رب المسجد ليتغمدهم برحمته وتعمهم أنواره . [ سورة الحج ( 22 ) : الآيات 26 إلى 30 ] وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ( 26 ) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ( 27 ) لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ ( 28 ) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ( 29 ) ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلاَّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ( 30 ) [ الحج : 26 ، 30 ] البيت بني في زمن الطوفان ، وهذا ما ذكر في كتب التاريخ ، وبين اللّه لإبراهيم عليه السّلام مكانه ليرفع قواعده من جديد ، والإشارة تذكرنا بالطوفان النوحي نفسه الذي أتى على كل ما يعبده