محمد غازي عرابي

733

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

آياته في الوجود ظاهرة وباطنة ومنها الفكر ، والناسخ هو الذي ينسخ ما كثر الجدال فيه من القضايا مثل حرية الإنسان وأصل الإنسان وسر القضاء والقدر وسر الموت وسر النفس . [ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 41 إلى 43 ] قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها نَنْظُرْ أَ تَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ ( 41 ) فَلَمَّا جاءَتْ قِيلَ أَ هكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها وَكُنَّا مُسْلِمِينَ ( 42 ) وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ ( 43 ) [ النمل : 41 ، 43 ] عرش بلقيس عرش اللّه استوى عليه بالنفس ذاتها ، ولكن النفس محجوبة تحسب أن عرشها لها ، وهذا جهل الناس أجمعين إلا من رحم اللّه ، وتنكير العرش تغييره ، ويقع ذلك عند المكاشفة ، فيرى المكاشف أن صوته الذاتي النفسي ما عاد صوته بل برز الحق له منه وفيه ، ولهذا لما كوشفت النفس بهذه الحقيقة سئلت أَ هكَذا عَرْشُكِ وأجابت كَأَنَّهُ هُوَ ، فلشدة الشبه تحسب النفس أن هويتها هويتها ، حتى إذا جاء اليقين هرب العصفور من القفص والتحق بالهوية الحقيقية الإلهية ، وهذا معنى الإسلام والتسليم ، ولهذا ختمت الآية الثانية والأربعون بالقول : وَكُنَّا مُسْلِمِينَ . [ سورة النمل ( 27 ) : آية 44 ] قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها قالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 44 ) [ النمل : 44 ] الصرح قصر من زجاج ، وهو لشفافيته يبدو مثل الماء ، والمنظر يرى كشفا في اليقظة ، يراه المكاشف في عرض السماء ، وهو عرش نوراني أساسه الذات الإلهية تحيط بها الأسماء المعقولات تبدو شفافة تصدر عنها تعينات خلقية من إنس وجن . والكشف عن الساقين كشف حقيقة الوجود الباطنة ، وقيل إن سليمان بلغه أن لبلقيس ساقين مشعرتين كسوق الحيوانات ، والإشارة إلى النفس الحيوانية ، فبلقيس إشارة إلى النفس المادية والوجه الظاهر للنفس الكلية ، وكشف الساقين كشف حقيقة النفس المكونة من مادة وروح ، ولهذا قيل النفس لا تكون إلا في جهات ، فلا توجد النفس بمعزل عن العالم ، ولكنها في الوقت نفسه لا توجد بمعزل عن الروح الفاعل ولهذا وصفت بأنها المحل والمعبر والجسر الواصل بين اللّه والعالم . فلما تبينت بلقيس النفس هذه الحقيقة أعلنت أنها ظلمت نفسها لما ادعت ملكيتها لها من دون اللّه ، وارتدت من ثم إلى اللّه خالقها وأسلمت مع سليمان ممثل الروح . [ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 45 إلى 46 ] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ ( 45 ) قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْ لا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 46 ) [ النمل : 45 ، 46 ]