محمد غازي عرابي

731

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

كتابنا الإنسان الكبير أن الحواس نفسها تخدم الإنسان ولكنها ليست هو ، لأن الذاكرة مثلا كثيرا ما تستعصي ولا تجيب فلا يتذكر الإنسان ما يريد تذكره ، ويقال عادة خانته الذاكرة ، فالملوك إذن إشارة إلى عالم الروح الكلي الذي هو القاهر والغالب على أمره ، وما عالم المادة سوى مسرح نشاط عالم الروح كما قال هيغل . [ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 35 إلى 36 ] وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ( 35 ) فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أَ تُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ ( 36 ) [ النمل : 35 ، 36 ] الهدية ما تقدمه النفس إلى القلب من انطباعات العالم الحسي ، وسميت هذه الانطباعات في الآية مالا لأن الانطباعات هي رأس المال الوحيد الذي يملكه الإنسان في حياته ، وقوله : فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ إشارة إلى العلم الذوقي الذي حل محل العلم النظري التجريبي ، إذ في العلم الذوقي الكشفي الحقائق الثابتة واليقين الأدوم ومعرفة الأسرار ، خذ مثلا موقف العلماء من الطفل حين يولد ، فهل هو صفحة بيضاء تكتب فيها الأيام أحداثها وتجاريبها وهل المجتمع هو المسؤول عن هذا الطفل ، فهو الذي يجعل منه إنسانا صالحا أو شريرا ، وهل للتربية دور في التعليم والتهذيب وما مدى هذا الدور وما أهميته ، ولماذا يكون شقيقان مثلا من أبوين يعيشان في بيت واحد ، ويتعلمان في مدرسة واحدة ، ويشتركان في كل شيء ، فإذا شبا عن الطوق وجدت أحدهما صالحا والآخر شقيا ؟ وما دور الغنى والفقر في حياة الإنسان ، وهل يمكن تجاوز سورهما للوصول إلى عالم لا غنى فيه ولا فقر ، إلى آخر المشكلات والقضايا المطروحة على بساط البحث والتي قضت العلماء والباحثون والاختصاصيون حياتهم جادين في العثور على حلول والوصول إلى قوانين ونظريات ومبادئ تحقق للإنسان الحياة المثلى في الأرض لقد ذكرنا سابقا أن الأنصار أتوا النبي يوما بمولود ليصلي عليه فقالت عائشة رضي اللّه عنها : طوبى له يا رسول اللّه فإنه لم يأت الشر ولم يعرفه ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : أو غير ذلك يا عائشة ، إن اللّه خلق الجنة وأهلها وهم في أصلاب آبائهم ، وخلق النار وأهلها وهم في أصلاب آبائهم ، فجواب النبي وضع حدا لمشكلة تربية الإنسان ، وأرسى قاعدة للبحث هي أن الخير والشر أزليان ، وأنه لا يمكن القضاء على الشر ، وأن كثيرا من الفلاسفة تحدثوا عن جمهوريات ومدن فاضلة مثلي فظلت أفكارهم تصورات وحبرا على ورق لا يمكن أن تتحقق في عالم الواقع ، فعلى أساس الخير والشر ينبغي النظر إلى الواقع الاجتماعي ، كما ينبغي أن توضع التشريعات والقوانين على هذا الأساس أيضا ، فالإنسان ليس صفحة بيضاء ، ولئن كان فهو صفحة بيضاء يخط فيها الخالق المصور وحده كلماته ، فما شاء كان ، وما لم يشأ لم يكن ، وأنشد الإمام الشافعي :