محمد غازي عرابي

17

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

الطعام الواحد الطعام الإلهي ، وهو مثل المائدة التي أنزلها اللّه سبحانه على الحواريين ، والطعام الإلهي قانون ودستور وحكم لكن القوم طالبوا بطعام آخر ، وهو طعام أرضي ، والطعام الأرضي هو ما تطعمه الحواس ، فهو إذن محسوسات ، وهنا يلتقي بنو إسرائيل عبدة العجل بالفلاسفة والمفكرين الحسيين الذين لا يؤمنون بغير ما يرد من باب المحسوسات ، وهم كثير ، وترى منذ بدء الخليقة انقسام الناس بين مؤمنين بالطعام الإلهي وبين ملحدين ومشركين . وقوله : اهْبِطُوا مِصْراً يعني مدينة البدن ، أي مجمع الحواس ، لأنه أضاف قائلا : فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ ، ففي مجمع البدن كل ما يطلبه القلب من طعام الأرض ، ورمز إليه بالبقل والقثاء والثوم والعدس والبصل . وقوله : وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ ، يعني حاصل محصلة الاعتماد على عالم العيان دون عالم الغيب ، إذ أن هذا العالم محدود ، وإمكاناته ليست منه ، وترى علماء المادة والطبيعة حتى يومنا هذا قد علموا قليلا من الحقائق ، وظلوا جاهلين أكثرها ، وهم يصرحون إذا ما رأوا ظاهرة محيرة هذا سر من أسرار الطبيعة لم نكتشفه بعد ، فالنتيجة إذا انقطاع المدد الإلهي عن الناس ، فظلوا في حيرتهم يعمهون . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 62 ] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 62 ) [ البقرة : 62 ] استثنى سبحانه من أهل الظاهر المؤمنين واليهود والنصارى والصابئين الذين آمنوا بالعالمين الظاهر والباطن ، بالعيان والعين ، بالمادة والروح ، فهؤلاء يأكلون كل طعام . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 63 إلى 64 ] وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 63 ) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 64 ) [ البقرة : 63 ، 64 ] الطور إشارة إلى التجلي الإلهي بالقهر ، إذ لما تجلى سبحانه للجبل خر موسى صعقا ، فالجبل إشارة إلى الفكر ، إذ الفكر يشع عن الدماغ في الرأس ، والجبل ما علا من الأرض ، والأخذ بالقوة الأخذ عن الفكر ، على ألا يغفل القلب عن أن الفكر هو من خلق الرحمن ، سبحانه ميز الإنسان بالفكر ، فشرفه وفضله على بقية المخلوقات . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 65 إلى 66 ] وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ ( 65 ) فَجَعَلْناها نَكالاً لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ( 66 ) [ البقرة : 65 ، 66 ] السبت بمثابة الجمعة عند المسلمين ، فهو إشارة إلى الجمع ، والوصول إلى الجمع يقينا