الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
198
آيات الولاية في القرآن
الذهن فقط من دون أن يكون لها رصيد واقعي من الأشخاص المؤيدين لها ، ولكن مع الأسف فهناك الكثير من الأشخاص المغفلين الذين يتحركون في دائرة العقيدة والمذهب من موقع الدفاع الشديد عن هذه النظرية الباطلة وقد كتبوا في ذلك كتباً متنوعة . أجل ، فإنّ هؤلاء الأشخاص عندما لم يستطيعوا إدراك مغزى التوحيد الأفعالي ذهبوا إلى الجبر وغفلوا عن أن اللَّه تعالى هو الذي وهب للإنسان الاختيار والإرادة ، وعندما نقول أن الإنسان حرٌّ ومختار في أفعاله فإنما ذلك على أساس أنّ كلّ هذه الأمور متصلة باللَّه تعالى وبمشيئته ، وبذلك لا يكون هناك تقاطعاً بين اختيار الإنسان والتوحيد الأفعالي . وقد ذهب الأشاعرة والجبرية إلى أكثر من ذلك ، فقد أنكروا عالم الأسباب والمسببات وقالوا : إنّ النار لا تحرق أبداً بل اللَّه تعالى هو الذي يحرق ، وكذلك ذهبوا إلى أن الحجر لا يكسر الزجاج بل بمجرد أن يقترب منه ويمسه فإنّ اللَّه تعالى يقوم بكسر الزجاج . أجل ، فإنهم أنكروا مثل هذه الأمور البديهية بسبب تفسيرهم الخاطئ للتوحيد الأفعالي ، ورأينا أن التوحيد الأفعالي لا يتنافى إطلاقاً مع اختيار الإنسان وإرادته ، وكذلك لا يتنافى مع عالم الأسباب لأن الإرادة السببية في عالم المخلوقات كلّها تعود في الأصل إلى اللَّه تعالى ، فإنه هو الذي وهب الإنسان القدرة والقوّة والعقل والاختيار والإرادة ، وبما أن هذه الأمور جميعاً من اللَّه تعالى إذن يصحّ نسبتها جميعاً إليه رغم أن الإنسان لا يتجرد من المسؤولية وحرية الانتخاب في دائرة الفكر والعقيدة والممارسة . ولأجل توضيح المطلب أكثر نضرب لذلك مثالًا : عندما يدفع الأب بعض المال لولده لينفقه في مصارفه ومعيشته فالأب من جهة يمكنه في أي لحظة أن يأخذ هذا المال باعتباره ماله وملكه رغم أن الابن إذا اشترى بهذا المال شيئاً فإن المسؤولية تقع عليه لا على الأب . والنتيجة هي أن التوحيد الأفعالي لا يتنافى مع اختيار الإنسان وإرادته ولا ينبغي أن نتصور أن ذلك يدخلنا في دائرة الشرك . هل ينسجم التوسل مع التوحيد ؟