الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
20
الأخلاق في القرآن
وهي أنّ الاستكبار هو سبب ( الكفر والعناد وعدم المرونة مقابل الحقّ ) ، وهنا تستعرض الآية حالة ( الوليد بن المغيرة المخزومي ) الّذي كان يعيش في عصر نزول القرآن وتصف حالته في مقابل الحقّ والآيات القرآنية وتقول : « ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ » « 1 » . كلمة « سحر » توضح جيداً أنّ الوليد قد أقرّ واذعن بهذه الحقيقة وهي أنّ القرآن الكريم له تأثير عجيب على الأفكار والقلوب ويتمتع بجاذبية كبيرة لعواطف الناس ، فلو أنّ الوليد نظر إلى هذه الآيات نظر المنصف والطالب للحقّ فإنّه سوف يعد هذا التأثير الغريب للقرآن دليلًا على إعجازه ، وبالتالي سوف يؤمن به ، ولكن بما أنّه كان ينظر إليه من خلال حجاب الغرور والتكبّر فإنّه كان يرى فيه سحراً كبيراً كسحر الأقوام السالفة ، أجل فكلّما تراكم حجاب التكبّر على بصيرة الإنسان وقلبه فإنّه سينظر إلى آيات الحقّ بنظر الباطل وينقلب الباطل في نظره إلى حقّ . والمشهور أنّ الوليد كان يعيش الغرور إلى درجة أنّه كان يقول : انا الوحيد بن الوحيد ، ليس لي في العرب نظير ، ولا لأبي نظير ! في حين أنّ الوليد كان يُعتبر بالنسبة إلى الناس في ذلك الزمان رجلًا عالماً وقد أدرك عظمة القرآن جيداً وقال فيه عبارة عجيبة مخاطباً بني مخزوم : إن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وان أعلاه لمثمر وان أسفله لمغدق ، وانه ليعلو ولا يعلى عليه . هذا التعبير يقرب بوضوح إلى أنّ الوليد أدرك عظمة القرآن أكثر من أيّ شخص آخر من قومه ولكن التكبّر والغرور منعه من رؤية شمس الحقيقة والإذعان لنور الحقّ . وتأتي « الآية التاسعة » لتستعرض في سياقها خطاب مؤمن آل فرعون لقومه ويحتمل أن تكون هذه الآية جزءاً من خطابه أو جملة مستقلة معترضة من الآيات القرآنية الكريمة حيث نقرأ فيها قوله تعالى : « الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً
--> ( 1 ) . سورة المدثر ، الآية 22 - 24 .