الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
18
الأخلاق في القرآن
وَما كانُوا سابِقِينَ » « 1 » ، ولهذا السبب فإنّهم لم يذعنوا للحقّ وبالتالي فقد أصابهم عذاب اللَّه وأهلكهم ولن يستطيعوا الفرار منه . ( قارون ) ذلك الرجل الثري الّذي كان يرى أنّ ثروته العظيمة دليلًا على مقامه ومنزلته السامية عند اللَّه تعالى وكان يرى أنّ هذه الثروة العظيمة إنّما حصل عليها بسبب لياقته وذكائه ، ولذلك تملّكه الغرور والفرح والفخر ، فكان يخرج على قومه من فقراء بني إسرائيل بعظيم الزينة ومظاهر الثروة إصراراً منه على تحقيرهم وإذلالهم ، وكلّما نصحوه بأن يستخدم هذه الثروة لنيل الدرجات العليا في الآخرة والسعادة المعنوية في حركة الحياة والمجتمع ، فإنّ هذه النصائح لن تؤثر فيه وذهبت أدراج الرياح ، لأنّ الغرور والتكبّر منعه من إدراك حقائق الأمور وصدّه عن دفع هذه الأمانة الإلهية الّتي بيده لأيّام معدودة لأصحابها الواقعيين . أمّا « فرعون » الّذي جلس على عرش السلطنة والقدرة فإنّه قد أصابه الغرور والتكبّر بأشد من صاحبه حتّى أنّه لم يقنع من الناس بعبوديتهم له بل كان يرى نفسه أنّه ( ربّهم الأعلى ) . أمّا « هامان » الوزير المقرّب لفرعون والّذي كان شريكاً له في جميع جرائمه ومظالمه بل إنّ جميع إدارة أمور المملكة كانت بيده فإنّ القرآن الكريم صرّح أيضاً بأنّه ابتلي بالكبر والغرور الشديد . هؤلاء الثلاثة اتّحدوا في مقابل موسى عليه السلام ودعوته الإلهية وانطلقوا في الأرض فساداً وأمعنوا فيها اضلالًا للناس وإذلالًا لهم إلى أن شملهم العذاب الإلهي الشديد ، فأغرق فرعون وهامان في أمواج النيل الهادرة حيث كانوا يعدون النيل مصدراً لقدرتهم وأساساً لملكهم ، أمّا قارون فقد ابتلعته الأرض بكنوزه وثرواته الطائلة . « الآية السابعة » تتحدّث عن قوم عيسى بن مريم عليه السلام والفرق بينهم وبين اليهود حيث
--> ( 1 ) . سورة العنكبوت ، الآية 39 .