الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

121

الأخلاق في القرآن

تلك النعمة ؟ وأين العدالة ؟ وأين الحكمة ؟ ولما ذا لا تعطيني مثله ؟ بل قد يتصور نسبة العجز إلى اللَّه تعالى عندما يعطي غيره ولا يعطيه هو ولهذا يفضل أن تسلب تلك النعمة من ذلك الشخص وتصل إليه . وعلى هذا الأساس فالحاسد في الحقيقة يعيش في حالة من اهتزاز دعائم الإيمان والتوحيد الأفعالي في واقعه الروحي ، لأن الإنسان المؤمن بأصل التوحيد الأفعالي يعلم جيداً أن تقسيم النعم الإلهية على العباد لا يكون اعتباطياً ، بل وفق ما تقتضيه الحكمة الإلهية ، ويعلم كذلك أنّ اللَّه تعالى يملك القدرة في أن يرزقه أكثر وأفضل من ذلك الشخص فيما لو كان يتمتع باللياقة لمثل هذه النعم والمواهب ، إذن عليه أن يسعى لتحصيل القابلية واللياقة لذلك . ولهذا نقرأ في الحديث القدسي حيث يخاطب اللَّه تعالى نبيه زكريا : « الْحَاسِدُ عَدُوٌّ لنِعْمَتِي ، مُتَسَخِّطٌ لِقَضَائِي ، غَيْر رَاضٍ لِقِسْمَتِيَ الَّتِي قَسَمْتُ بَيْنَ عِبَادي » « 1 » . وقد ورد شبيه هذا المضمون عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله حيث قال : « إنّ اللَّه تعالى أوحى إلى موسى بن عمران : « لَا تَحْسُدَنَّ النَّاسُ عَلَى مَا آتَيْتُهُمْ مِنْ فَضْلِي ، وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ الَى ذَلِكَ ، وَلَا تَتَّبِعُهُ نَفْسَكَ ، فَانَّ الْحَاسِدَ سَاخِطٌ لِنِعَمِي ، ضَادٌّ لِقَسْمِيَ الّذي قَسَمْتُ بَيْنَ عِبَادي وَمَنْ يَكُ كَذَلِكَ فَلَسْتُ مِنْهُ وَلَيْسَ مِنّي ! » « 2 » . والخلاصة أنّ الحسود لا يتمتع في الحقيقة بدعائم إيمانية وعقائدية راسخة وإلّا فإنه يعلم أنّ حسده ما هو إلّا نوع من أنواع الانحراف عن خط التوحيد وعن الحقّ . ويقول الشاعر في هذا المجال : الا قل لمن كان لي حاسداً * أتدري على من أسأت الأدب ؟ ! أسأت على اللَّه في فعله * إذا أنت لم ترض لي ما وهب ! « 3 »

--> ( 1 ) . المحجّة البيضاء ، ج 5 ، ص 326 . ( 2 ) . أصول الكافي ، ج 2 ، ص 307 . ( 3 ) . سفينة البحار ، مادّة حسد .