الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

119

الأخلاق في القرآن

وهنا تأمّل في هذا الموضوع ناشيء من هذه الحقيقة ، وهي هل أنّ الصفات الباطنية حتّى لو كانت اختيارية هي محرمة حتّى لو لم تظهر في عمل الإنسان وفعله ، أو تُعتبر صفة أخلاقية تكشف عن انحطاط أخلاقي لذلك الشخص بدون أن تستتبعها حرمة في البين ؟ وعلى أيّة حال فإنّ النقطة المقابلة للحسد هي ( الغِبطة ) وهي أن يتمنّى الإنسان أن تكون له نعمة مثلما للآخرين أو أكثر منها بدون أن يتمنّى زوال تلك النعمة عن الآخر . ولكن البعض يرى انّ ( الغبطة ) نوع من الحسد أيضاً ويستشهد لذلك بحديث شريف عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله أيضاً « 1 » . ولكن من الواضح أنّ هذا المعنى ينسجم مع تفسيرنا للحسد بمفهومه الواسع بحيث يشمل كلّ مقارنة لما لدى الفرد من النعم مع ما لدى الآخرين منها ، وهو في الواقع نزاع لفظي ، والمعروف هو ما تقدّم آنفاً من تعريف الحسد . وعلى أيّة حال فالحسد صفة ذميمة وقبيحة في دائرة الأخلاق ، في حين انّ ( الغِبطة ) ليس فقط غير مذمومة ، بل محمودة ومطلوبة أيضاً ، وتعتبر سبباً لترقي المجتمع والصعود به في مدارج الكمال كما ذكر ذلك الطريحي في ( مجمع البحرين ) في مادّة ( حَسَدَ ) . ونقرأ في حديث عن الإمام الصادق عليه السلام قوله « انَّ الْمُؤْمِنَ يَغْبُطُ وَلَا يَحْسُدُ ، وَالْمُنَافِقُ يَحْسُدُ وَلَا يَغْبُطُ » « 2 » . 2 - دوافع الحسد من المعلوم أنّ الكثير من الصفات الرذيلة تتناغم مع بعضها وبينها تأثير متقابل ، والحسد أيضاً من هذه الصفات حيث ينشأ من صفات قبيحة أخرى ، وهو بنفسه يُعد منبعاً ومصدراً لرذائل كثيرة أيضاً . ويذكر علماء الأخلاق للحسد منابع كثيرة منها : العداوة والحقد بالنسبة إلى الآخرين

--> ( 1 ) . راجع لسان العرب والتحقيق في كلمات القرآن الحكيم . ( 2 ) . أصول الكافي ، ج 2 ، ص 307 ، ح 7 .