الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

107

الأخلاق في القرآن

وعلى أيّة حال فقد ندم قابيل بشدة ولكن ندمه لم يكن مستقراً ومن موقع التوبة والإنابة إلى اللَّه تعالى حتّى يكون من شأنه تطهيره من الذنوب . وهنا يطرح سؤالان ، الأوّل : ما المقصود من « القربان » في قوله تعالى « إذ قرّبا قرباناً » ؟ والآخر : هو انه من اين عَلِما أنّ اللَّه تعالى تقبل قربان هابيل ولم يتقبل قربان قابيل ؟ ولم يرد في القرآن الكريم ما يشير إلى جواب عن هذين السؤالين ، واما الروايات فهي مختلفة على مستوى السند أو المتن والدلالة ، ولكن ما يتطابق مع المنطق والعقل ويتلائم مع القرائن الموجودة هو ما ورد في الرواية عن سليمان بن خالد قال : قلت لأبي عبد اللَّه عليه السلام جعلت فداك إن الناس يزعمون أنّ آدم زوج ابنته من ابنه ؟ فقال أبو عبد اللَّه عليه السلام : « قد قال الناس في ذلك ولكن يا سليمان أما علمت أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله قال : لو علمت أنّ آدم زوج ابنته من ابنه لزوجت زينب من القاسم ، وما كنت لأرغب عن دين آدم . فقلت جعلت فداك إنهم يزعمون أنّ قابيل إنما قتل هابيل لأنهما تغايرا على أختهما ، فقال له : يا سليمان تقول هذا ! أما تستحيي أنّ تروي هذا على نبي اللَّه آدم ؟ فقلت : جعلت فداك فبم قتل قابيل هابيل ؟ فقال : في الوصية ثم قال لي : يا سليمان أنّ اللَّه تبارك وتعالى أوحى إلى آدم أن يدفع الوصية واسم اللَّه الأعظم إلى هابيل ، وكان قابيل أكبر منه ، فبلغ ذلك قابيل ، فغضب فقال : أنا أولى بالكرامة والوصية . فأمرهما أن يقربا قرباناً بوحي من اللَّه إليه ، ففعلا فقبل اللَّه قربان هابيل فحسده قابيل فقتله » « 1 » . وعلى أيّة حال فإنّ قابيل وجد نفسه في مفترق طريقين لإنهاء حالة القلق والاضطراب الّتي يعيش فيها : أحدهما التوبة إلى اللَّه تعالى والسعي لجبران ما صدر منه من الاثم بالعمل الصالح والخالص والتحرك في خط التقوى والاستقامة والانفتاح على اللَّه ( وهو العمل الّذي يسمّيه علماء الأخلاق ب « الغبطة » وهي حالة ممدوحة وبناءة ) ولكن قابيل اختار الطريق الآخر ، أي السعي لإزالة النعمة من أخيه ، وبذلك أوقع نفسه في أسوء طريق وانتخب أشنع وسيلة بذلك وتلوثت يده بدم أخيه البريء ليطفىء نار الحسد في قلبه .

--> ( 1 ) . نور الثقلين ، ج 1 ص 610 ، ح 125 .