الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
79
الأخلاق في القرآن
الإعتقاد بالجَبر ، وبالمسائل اللأخلاقيّة : لا شك أنّه يوجد إرتباطٌ وعلاقةٌ وثيقةٌ ، بين الإعتقاد بحريّة الإرادة للإنسان ، و « المسائل الأخلاقيّة » ، وكما أشرنا سابقاً ، أنّ نفي حريّة الإنسان ، هو نفيٌ وتعطيلٌ لجميع المفاهيم الأخلاقيّة . وبناءً على هذا نجد ، أنّ الأديان الإلهيّة المتعهّدة بتربية وتهذيب النفوس والأخلاق ، من أقوى المدافعين عن حرّية الإنسان ! . وبناءً على هذا أيضاً ، نجد في القرآن الكريم آياتٌ عديدةٌ وكثيرةٌ تبلغ المئات ، تثبّت الاختيار وحريّة الإرادة للإنسان ، وتنفي الجَبر عنه ، وقد ذُكرت في مباحث الجَبر والاختيار « 1 » . فالأمر والنّهي والتّكاليف الأخرى ، والدّعوة إلى الثّواب والعقاب ، والحساب والمحاكم والقوانين والعقوبات ، كلها أمور تؤكّد على مسألة الاختيار ، وحريّة الإرادة عند الإنسان . وإذا ما شاهدنا بعض الآيات تُوافق مذهب الجَبر ، فهي ناشئةٌ من عدم الانتباه والتّوجه الصحيح لتفسير تلك الآيات ، فتلك الآيات ناظرةٌ إلى نفي التّفويض ، ولا تثبت الجبر ، والشّاهد عليها هو القرآن الكريم نفسه ، وقد أشرنا إليها سابقاً ، وليس هنا محلّ للبحث فيها . فالاعتقاد بالجَبر ، وسلب حريّة الإنسان ، يمكن أن يكون عاملًا مهمّاً ، لكلّ تحلّل أخلاقي ، فالُمجرم ولتبرير أفعاله المشينة يتذرّع بالجَبر ، وأنّه لا يستطيع أن يُغيّر مصيره المحتوم عليه ، ولذلك يتحرّك في خطّ الانحراف ، وينحدر في مُنزلقات المعاصي أكثر ، فالتّاريخ يُحدثنا ، عن مجرمين خاضوا غمار الجريمة ، استناداً إلى مُبّررات مذهب الجَبر ، وكانوا يعذرون أنفسهم ، في إرتكابهم لتلك الأعمال والذّنوب ، ويقولون : ( إذا كنّا صالحين أو طالحين ، فليس لنا من الأمر شيء ، فالُمبدع الأزلي هو الذي زرع فينا ذلك ، وجعل مصيرنا أن نكون من أهل الشّقاء ! ، فلا المحسنين لهم الحق بالإفتخار بإحسانهم ،
--> ( 1 ) . الرجاء الرجوع إلى التّفسير الأمثل : ( الفهرس الموضوعي ص 99 ) ، وإلى أنوار الأصول ، ج 1 ، بحث الجَبر والاختيار .