الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
71
الأخلاق في القرآن
ولذلك فإنّنا نرى ، أنّ أقوى مظاهر الأخلاق ، كالإيثار والتّضحية تتجسّد في حياة أولياء اللَّه تعالى . ونرى أيضاً ، في المجتمعات الماديّة التي توزِن كلّ شيء بمعيار النّفع ، أنّ الأخلاق فيها ضعيفةٌ جدّاً ، وفي الأغلب أنّ المعترف به رسميّاً عند الجميع ، هو النّفع الشّخصي المادّي ، فالصّدق والأمانة والوفاء وما شابه ذلك ، هي أخلاق حسنةٌ وسلوكيّات جيدةٌ ، ما دامت تعود بالنّفع على الفرد ، وعند تعرّض النّفع المادي للخطر ، فستفقد لونها وقيمتها ! ! . فالأبوان العجوزان ، ولعدم نفعهما ، فمصيرهما أن يعيشا في زاوية النسيان ، ويتمّ نقلهما إلى مراكز ودور العجزة ، لينتظرا أجلهما المحتوم . وبمجرّد أنّ يبلغ الأطفال مرحلة الرّشد والمراهقة ، فإنّ مصيرهم الانفصال عن أسرهم ، لا لكي يستقلّوا إقتصاديّاً ، بل لكي يُنسوا إلى الأبد . وكذلك الأزواج ، فهم شركاء في الحياة ما دام في الحياة الزوجية نفعٌ ولذّة ، وإلّا فلا حاجة إلى العلاقة الزّوجيّة ولا ضرورة للالتزام بتبعاتها ، ولذلك فإننا نرى أنّ الطّلاق هناك كأيسر ما يكون ، وشايع إلى درجةٍ خطيرةٍ ، ففي المذاهب الماديّة التي لا تقوم على أساسٍ إلهي في دائرة الأخلاق ، يكون الاستشهاد لديهم لنيل المقاصد السّامية ، هو الانتحار بعينه ، والكرم الذي يؤدي إلى تبذير الأموال ، ليس هو إلّا نوعٌ من الجنون ، والعّفة والإستقامة على طريق الفضيلة ، ليست هي إلّا ضَعفٌ في النّفس ، والزُّهد بالعالم المادي ، ليس هو إلّا سذاجةً وجهلًا بالحياة . وما نراه اليوم من التنافس المحموم على الماديات ، ومراكز القدرة في هذه المجتمعات ، ورؤساء تلك الدول ، هو أفضل وخير نموذج يعبّر عمّا لديهم من معايير للأخلاق الماديّة . والشّاهد على ذلك ، ما يصدر من الإنتهازيّة والتّعامل المزدوج للقوى الإستعماريّة تجاه ( حقوق الإنسان ) ، فعند ما تكون حقوق الإنسان ، سبباً لتعرّض منافعهم للخطر ، فسوف يتجاهلونها ويجعلونها وراء ظهورهم ، ويذبحون القيم الإنسانيّة على مذبح المصالح الماديّة . فأخطر المجرمين والمعتدين على حقوق الإنسان ، يصبحون مسالمين ومصلحين ، وبالعكس