الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

44

الأخلاق في القرآن

للبشر ، وعليه لا ينبغي أن نتصور أنّ المسائل الأخلاقيّة ، مُنحصرة بالفرد وَحده على حساب الحياة الاجتماعية ، بل العكس صحيح ؛ فالأخلاق على علاقة قويّة ووطيدة مع الحياة الإجتماعيّة ، وأيّ تحوّل اجتماعي في واقع الحياة البشرية ، لا يمكن أن يحصل إلّا على أساس التّحول الأخلاقي . وبتعبير آخر : إنّ النّاس الذين يعيشون في مجتمع كبير ، ويرغبون في حياةٍ سعيدةٍ مقرونةٍ بالسّلم والتعاون المشترك ، يجب عليهم على الأقل أن يَصِلوا إلى رُشدٍ أخلاقي ، يدركون معه الحقائق المتعلقة باختلاف أفراد الإنسان فكراً وروحاً وعاطفةً ، لأنّ الأفراد يختلفون عن بعضهم البعض ، فلا نتوقع أبداً من الآخرين أن يتبعونا في كلّ شيء ، والمهم في المسألة هو السّعي في الحفاظ على الأصول المشتركة بين المجتمع ، وإختلاف الأذواق والأفكار يجب التّجاوز عنه ، إلى حيث اللّيونة والحلم وسِعة الصّدر والنّظر إلى المستقبل ، فلا يمكن لنفرين أن يُجسّدا بينهما تعاوناً حقيقيّاً في حركة الحياة ولمدّةٍ طويلةٍ ، إلّا بعد التحلّي بأحد الأصول الأخلاقيّة الآنفة الذّكر . ومن البديهي أنّ التّهيؤ الأخلاقي لهضم نقاط الاختلاف ، والوصول إلى الوحدة والقدرة والعظمة ، هو أمر لازم وضروري ، وهو أمر لا يتحقق بالكلام فقط ، بل يحتاج إلى تهذيبٍ وتعليمٍ وتربيةٍ لنفوس الأفراد ، كي يصل المجتمع إلى الّنمو والتّكامل في المجالات الأخلاقية . علاقة الحياة الماديّة بالمسائل الأخلاقيّة في الرّوايات الإسلاميّة : ما إستفدناه من الآيات القرآنية في الموضوع الآنف الذّكر ، له أصداءٌ واسعةٌ في الرّوايات الإسلاميّة أيضاً ؛ حيث يحكي عن التّأثير العميق للصفات الأخلاقيّة في الحياة الفرديّة والاجتماعيّة ، ونشير إلى قسمٍ منها :