الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

336

الأخلاق في القرآن

ذلك لوجود نقطةٍ مضيئةٍ وبصيصٍ من الأمل في أعماق قلبه ، وهو تمسّكه بالولاية ، حيث أدّى إلى أن يتحرّك الإمام عليه السلام إلى نجدته وإنقاذه ، في آخر لحظات حياته وأيّام عمره . والّنموذج الآخر لهذا التّأثير المعنوي ، والولاية التكوينيّة في تهذيب النّفوس المستعدّة ، هو ما نقله العلّامة المجلسي رحمه الله في بحار الأنوار ، عن الإمام الكاظم عليه السلام ، والجارية التي أرسلها هارون إليه . فقد وَرد أنّ هارون الرّشيد ، أنفذَ إلى موسى بن جعفر عليه السلام جاريةً خصيفةٌ ، لها جمالٌ ووضاءةٌ لتخدمه في السّجن ، فقال له : « بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ » « 1 » ، لا حاجة لي في هذه ولا في أمثالها ، قال : إستطار هارون غَضباً ، وقال : إرجع إليه وقل له : ليس بِرضاك حبَسناك ، ولا بِرضاك أخذناك ، وإترك الجارية عنده وانصرف . قال : فَمضى ورجع ، ثم قام هارون عن مجلسه ، وأنفذَ الخادم إليه ليتفحص عن حالها ، فرآها ساجدةً لربّها لا ترفعُ رأسها ، تقول : قُدّوسٌ سُبحانك سُبحانك . فقال هاورن : سَحرها واللَّه موسى بن جعفر بسحره ، عليّ بها ، فأتى بها وهي تَرتَعد ، شاخصةً نحو السّماء بصرها ، فقال : ما شأنك ؟ . قالت : شأني الشّأن البديع ، إنّي كنت عنده واقفةً ، وهو قائمٌ يصلّي ليله ونهاره ، فلمّا انصرف عن صلاته بوجهه ، وهو يسبّح اللَّه ويقدّسه ، قلت : يا سيّدي هلْ لك حاجة أعطيكها ؟ قال : وما حاجتي إليك ؟ قلت : إنّي أدخلت عليك لِحوائجك . قال : ما بالُ هؤلاء ؟ . قالت : فآلتفتُ فإذا روضةٌ مزهرةٌ ، لا أبلغ آخرها من أوّله بنظري ، ولا أوّلها من آخرها ، فيها مجالسُ مفروشة بالوِشيّ والدّيباج ، وعليها وصفاً وَوَصائِف ، لم أر مثل وجوههم حُسناً ، ولا مِثل لباسهم لِباساً ، عليهم الحَرير الأخضر ، والأكليلُ والدّر والياقوت ، وفي أيديهم الأباريق والمَناديل ، ومن كلّ الطّعام ، فخَررت ساجدةً حتّى أقامني هذا الخادم ؛ فرأيت نفسي حيثُ كنت .

--> ( 1 ) . سورة النّمل ، الآية 36 .