الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
309
الأخلاق في القرآن
ونستنتج من ذلك ، أنّ الذّكر الحقيقي ، هو الذّكر الذي يترك أثره الإيجابي في أعماق روح الإنسان ، ويفعّل إتجاهاته الفكريّة والعمليّة في خطّ التّقوى والالتزام الدّيني ، ويربّي في النّفس والرّوح ، عناصر الخير والصّلاح ، ويدعو الإنسان إلى اللَّه العزيز الحكيم . ومن يذكر اللَّه تعالى على مستوى اللّسان ، ويتبع الشّيطان على مستوى المُمارسة والعمل ، فهو ليس بِذاكِرٍ حقيقي ، ولا يذكر اللَّه من موقع الإخلاص ، بل هو كما قال الإمام علي بن موسى الرّضا عليه السلام : « مَنْ الذِّكْرِ ولَمْ يَسْتَبِقْ إِلى لِقائِهِ فَقَدْ إسْتَهزَءَ بِنَفْسِهِ » « 1 » . 2 - مراتب الذّكر ذكر علماء الأخلاق ، أن ذّكر اللَّه تعالى ، على مراتب ومراحل : المرحلة الأولى : الذِّكر اللّفظي ، حيث يجري فيها الإنسان أسماء اللَّه الحُسنى ، وصفات جَماله وجَلاله ، على لسانه ، من دون التّوجه إلى معانيها ومُحتواها ، كما يفعل كثيرٌ من المصلّين السّاهين في صلاتهم ، وهو نوع من الذّكر ، وله تأثيره المحدود على آفاق النّفس والفِكر ! ولكن لماذا ؟ . لأنّه أولًا : يعتبر مقدمةً لِلمراحل التّالية . وثانياً : أنّه لا يخلو من التّوجه الإجمالي نحو اللَّه تعالى ، لأنّ المصلي وعلى أيّةِ حالٍ ، يعلم أنّه يصلّي وهو واقفٌ بين يَدَيِّ اللَّه تعالى ، ولكنّه لا يتوجه لما يقول بصورةٍ تَفصيليَّةٍ ، ولكن مع ذلك فهذا النّوع من الذّكر ، لا يؤثّر في حياة الإنسان ، على مستوى تهذيب النّفس وتربية الأخلاق . المرحلة الثانية : الذّكر المعنوي ، وهو أن يلتفت الإنسان لمعاني الأذكار التي تجري على لسانه ، ومن البديهي أنّ التّوجه لمعاني الأذكار ، وخصوصيّة كلّ واحدةٍ منها ، سيعمّق الامتداد المعنوي لمضامين الذّكر في واقع الإنسان ، وبالاستمرار والمداومة سيحسّ الذّاكر ، بمعطيات هذا الذّكر في نفسه وروحِهِ .
--> ( 1 ) . بحارالأنوار ، ج 75 ، ص 356 ، ح 11 .