الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
284
الأخلاق في القرآن
وتلك الغَشاوات عن النّفس ، فلن يستطيع الإنسان أن يعرف ذاته ، ونوازعها وستغلق دونه أبواب المعرفة الأخرى ، التي تريد به النّهوض والوصول إلى الحقّ ، في خطّ التّكامل المعنوي ، والتّحذيرات التي صدرت من رسولنا الكريم صلى الله عليه وآله ، شاهدٌ حيٌّ على مدّعانا ، منها : « إذا أَرادَ اللَّهُ بِعَبدٍ خَيراً فَقَّهَهُ في الدِّينِ وَزَهّدَهُ في الدُّنيا وَبَصَّرَهُ عُيوبَهُ » « 1 » . وقال أمير المؤمنين عليه السلام ، في حديثٍ آخر : « جَهْلُ المَرءِ بِعُيوبِهِ مِنْ أَكبَرِ ذُنُوبِهِ » « 2 » . ويُفرض علينا هذا السؤال نفسه ، وهو أنّه كيف يستطيع الإنسان ، أن يُزيل تلك الغَشاوات والحُجب ، التي ترين على نفسه وروحه ؟ . هنا أتحفنا الفيض الكاشاني في هذا المجال ، بنصائح قيمةٍ ، فقال : ( اعلم أنّ اللَّه تعالى ، إذا أراد بعبدٍ خيراً بصّره بعيوب نفسه ، فَمن كَملت بَصيرته لم تخف عليه عيوبه ، وإذا عرف العيوب أمكنه العلاج ، ولكنّ أكثر الخلقِ جاهلون بعيوب أنفسهم ، يرى أحدهم القَذى في عينِ أخيه ولا يرى الجذع في عينه هو ، فمن أراد أن يقف على عيب نفسه ، فله أربع طُرق : الأوّل : أنّ يجلس بين يدي بصيرٍ بعيوب النّفس ، مطّلعٌ على خَفايا الآفات ، ويحكّمه على نفسه ، ويتّبع إشارته في مجاهداته ، وهذا قد عزّ في هذا الزمان وجوده . الثاني : أن يطلب : صديقاً صدوقاً بصيراً متديّناً ، فينصبه رقيباً على نفسه ، ليُراقب أحواله وأفعاله ، فما يكرهه من أخلاقهِ وأفعاله وعيوبه الباطنة والظّاهرة ، ينبّهه عَلَيها . فهكذا كان يفعل الأكابر من أئمّة الدّين ، كان بعضهم يقول : « رحم اللَّه إمرءً أهدى إليّ عيوبي » « 3 » ، وكلّ من كان أوفر عقلًا وأعلى منصباً ، كان أقلّ إعجاباً وأعظم اتّهاماً لنفسه ، إلّا أنّ هذا أيضاً قد عزّ ، فقلّ في الأصدقاء من يترك المُداهنة ، فيخبر بالعَيب ، أو يترك الحسد فلا يزيد على القدر الواجب ، فلا يَخلو أصدقاؤك عن حَسودٍ ، أو صاحب غرض ، يرى ما ليس بعيب عيباً ، أو عن
--> ( 1 ) . نهج الفصاحة ، ص 26 ، وورد نفس هذا المعنى عن الإمام الصّادق عليه السلام ، في أصول الكافي ، ج 2 ، ص 130 . ( 2 ) . بحار الأنوار ، ج 74 ، ص 419 . ( 3 ) . تُحف العقول ، ص 366 .