الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

264

الأخلاق في القرآن

والجماعات البشريّة . فليس عجيباً عندما يتحدث عنها القرآن الكريم ، ويقول أنّها أعظم النعم ؟ والجدير بالذكر ، أنّ الآية الكريمة ذكرت الشّفتين إلى جانب اللّسان ، فهما في الحقيقة يُساعدان اللّسان في التّلفظ بالكثير من الحروف ، وتنظيم الأصوات والكلمات في عمليّة التّكلم . ومن جهةٍ أخرى فإنّ الشّفتين ، أفضل وسيلة للسّيطرة على اللّسان ، كما حدّثنا بذلك رسولنا الكريم صلى الله عليه وآله ، عن الباري تعالى ، أنّه قال : « يا ابنَ آدَمَ إِنْ نازَعكَ لِسانُكَ فِى ما حَرَّمَتُ عَلَيكَ فَقَدْ أَعَنْتُكَ بِطَبَقَتَينِ فأطْبِق » « 1 » . وفي بداية سورة الرّحمان : ( الآيات 1 - 4 ) ، يشير سُبحانه إلى نعمة البيان ، التي هي ثمرة من ثمرات اللّسان ، وبعد ذكر اسم « الرّحمان » ، التي وسعت رحمته كلّ شيءٍ ، يشير سُبحانه إلى أهمّ وأفضلّ المواهب الإلهيّة ، يعني القرآن الكريم ، ثم خلقة الإنسان ، ثم يعرّج على موهبة البيان لدى الإنسان : « الرَّحْمنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسانَ * عَلَّمَهُ الْبَيانَ » . وبناءاً عليه فإنّ نعمة البيان ، هي أهمّ موهبةٍ أعطاها اللَّه سبحانه ، لعباده بعد خلقهم . وإذا ما أردنا أن نستعرض دور البيان ، في تكامل ورُقي الإنسان ، ودوره الفاعل في بناء الحضارة الإنسانيّة ، عندها سنكون على يقينِ بأنّه لولا تلك النّعمة الإلهيّة ، والموهبة الربّانية ، لما استطاع الإنسان أن ينقل خبراته وتجاربه للأجيال المتعاقبة ، ولما تقدّم العِلم ، ولما انتشر الدّين والأخلاق والحضارات بين الأمم السّابقة واللّاحقة . ولنتصور أنّ الإنسان ، في يوم من الأيّام ، سيفقد هذه الموهبة ، فممّا لا شك فيه أنّ المجتمع البشري ، سيعود في ذلك اليوم إلى أجواء التّخلف الحضاري ، والإنحطاط في جميع الصُّعد . عُنصر « البيان » ، تتوفر فيه أداةٌ ونتيجةٌ ، وبما أنّنا إعتدنا عليه ، فلذلك نتعامل مع هذه الظّاهرة من موقع اللّامبالاة وعدم الاهتمام ، لكنّ الحقيقة هي غير ذلك ، فهو عملٌ دقيقٌ معقّدٌ فنّيٌ لا مثيل له ولا نظير . لأنّه من جهة ، تتعاون الأجهزة الصوتيّة فيما بينها ، من الرئة إلى الهواء الداخل إلى الأوتار الصوتيّة ، والتي بدورها تتعاون ، مع : اللّسان والشّفتان والأسنان والحلق

--> ( 1 ) . مجمع البيان ، ج 10 ، ص 494 ، ذيل الآية المبحوثة ، نور الثقلين ، ج 5 ، ص 518 .