الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
256
الأخلاق في القرآن
أمرها ، وهذا ما تُحدِّثنا به الآيات التالية : « فَأَجَاءَهَا الْمخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَني مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْياً مَنْسِيّاً * فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَني قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً * وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً * فَكُلِي وَاشْرَبي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيْنَ مِنْ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولي إِنّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمانِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً » « 1 » . واختلف المفسّرون في الذي نادى مريم عليها السلام ، فقال بعضهم : إنّه جِبرائيل عليه السلام ، وسياق الآية قرينةٌ على هذا المعنى ، وقال البَعض الآخر ، كالعلّامة الطّباطبائي رحمه الله ، إنّه ابنها عيسى عليه السلام ، وكلمة : « من تحتها » ، تناسب هذا المعنى ، لأنّه كان بين أقدامها ، علاوة على أنّ أغلب الضّمائر في الآية الشّريفة ، تعود على المسيح عليه السلام ، وتَتَناسب أيضاً مع كلمة « نادى » ، وعلى كلٍّ فإنّ مَحَطَّ نظرنا ، هو الأمرُ بنذر السّكوت ، فأيّاً كان المُنادي ، جبرائيل عليه السلام ، أو المسيح عليه السلام ، فإنّ المهم هو ، أنّ ذلك النّذر ، يفضله ويرجحّه الباري تعالى ، وخصوصاً أنّ ذلك الأمر ، كان سائداً في وقتها ، وهو من الأعمال التي يُتقرّب بها إلى اللَّه سبحانه وتعالى ، فلذلك لم يعترض على مريم عليها السلام أحد ، بالنّسبة إلى هذا العمل بالذّات . ويوجد إحتمالٌ آخرٌ لصوم مريم عليها السلام ، وهو الصّوم عن الطّعام والشّراب ، بالإضافة لصوم السّكوت . أمّا في الشّريعة الإسلاميّة ، فإنّ صوم السّكوت حرام ، لتغيّر الظّروف المكانيّة والزمانيّة ، وقد وَرد عن الإمام علي بن الحسين السّجاد عليه السلام ، أنّه قال : « وَصَومُ الصَّمتِ حَرامٌ » « 2 » . وَوَرد في نفس هذا المعنى في حديثٍ آخر ، في وصايا النّبي الأكرم صلى الله عليه وآله ، إلى الإمام علي عليه السلام « 3 » . وَوَرد عن الإمام الصّادق عليه السلام ، أنّه قال : « وَلا صَمْتَ يَوماً إِلَى اللّيلِ » « 4 » . والطّبع ، فإنّ من آداب الصّوم عندنا ، هو المحافظة على اللّسان وباقي الجوارح من الذّنوب ، قال الإمام الصادق عليه السلام في هذا الصّدد : « إِنّ الصّومَ لَيسَ مِنْ الطّعامِ والشَّرابِ وَحْدَهُ إِنَّ مَريَمَ
--> ( 1 ) . سورة مريم ، الآية 23 إلى 26 . ( 2 ) . وسائل الشيعة ، ج 7 ، ص 390 ، باب تحريم صوم الصّمت . ( 3 ) . المصدر السابق . ( 4 ) . المصدر السابق .