الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
224
الأخلاق في القرآن
ومسك الخِتام ، نورد حديثاً يبيّن كيفيّة الحساب في يوم القيامة ، عن الرّسول الأكرم صلى الله عليه وآله ، أنّه قال : « لا تَزُولُ قَدَما عَبْدٍ يَومَ الَقيامَةِ ، حَتّى يُسْئَلَ عَنْ أَرْبَعٍ : عَنْ عُمْرِهِ فِي ما أَفناهُ وَعَنْ شَبابِهِ فَي ما أَبلاهُ ، وَعَنْ مالِهِ مِنْ أَينَ كَسَبَهُ وَفي ما أَنْفَقَهُ وَعَنْ حُبِّنا أَهْلَ البَيتِ » « 1 » . الخطوة الخامسة : المعاتبة والمعاقبة بعد « المحاسبة » ، يأتي دور المُعاتبة والمُعاقبة للنّفس على أخطائها وأغلاطها ، فالحساب بدون إظهار ردّ الفعل ، لا فائدة فيه ولا ثمرة ، ونتيجته ستكون عكسيةً ، بل تحمل النّفس على الجرأة والجسارة والعناد ، في حركة الحياة والواقع ، فكما يحاسب الرّئيس موظفيه عن تقصيرهم ، ويعاقبهم بنوعٍ ما ، وكلٌّ حسب حجم تقصيره ، فكذلك يفعل السّائرون في طريق الباري ، فإذا ما جَمَحَت بهم أنفسهم يوماً ، فسوف يعاقبونها لجرأتها على سيّدها ومولاها . وأكّد القرآن الكريم على هذه المسألة ، فأقسَم بالنّفسِ اللّوامة ، لأهميتها : « لا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ » « 2 » ، « 3 » . ونحن نعلم أنّ النّفس اللوامة ، هي الضّمير الحي الذي يردع صاحبه عن ارتكاب المعاصي ، وهو نوع من العِقاب للنفس . ومن الواضح أنّ العقاب للنفس له درجاتٌ ومراتبٌ ، وأوّل ما يبدأ من حالة الملامة ، ثمّ يشدّد العقاب ، وذلك بحرمان النّفس من بعض اللذائذ الدنيوية لفترة من الزّمن . وأشار القرآن الكريم ، لنموذجٍ رائعٍ حول هذا الموضوع ، وذلك بالنّسبة للثلاثة الذين
--> . المحجّة البيضاء ، ج 8 ، ص 168 ، ( مع التلخيص ) . ( 1 ) . خصال الصدوق ، ص 253 . ( 2 ) . سورة القيامة ، الآية 2 . ( 3 ) . المعروف بين المفسّرين : أنّ « لا » زائدة وللتأكيد ، والجدير بالملاحظة أنّه وردت تفسيرات مختلفة « للنفس اللّوامة » ، فبعض قال : أنّها إشارةٌ للكفّار والعاصين الذين يلومون أنفسهم في يوم القيامة ، وبعض أشاروا إليهم في هذه الدنيا ، أنّهم يستحقون الملامة في الدنيا قبل الآخرة ، ولكنّ المعنى : « الوجدان أو الضمير المستيقظ » ، أنسب من الجميع ، وقَسَمٌ القرآن بهاٌ دليلٌ على أفضليّتها على باقي الأمور .