الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

216

الأخلاق في القرآن

للأوامر الإلهيّة ، والإجتناب عن الذّنوب ، عليه المُراقبة والمُواظبة على طهارته المعنوية ، لأنّه في أدنى غفلةٍ ، فإنّ النّفس ستَنقُض كلّ العُهود والمواثيق ، وتَسلُك به في خطّ المعصية مرّةً أخرى . وطبعاً يجب أن لا ننسى ، أنّ الإنسان وقبل مراقبته لِنفسه ، فإنّ الملائكة تراقب أعماله ، فيقول القرآن الكريم : « وإنّ عَلَيكُم لَحافِظِينَ » « 1 » . فالحافظون هنا هم الذين يتولون عملية المراقبة لأعمال الإنسان ، وذلك بقرينة الآيات التي تردُ بعدها ، فتقول : « يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ » « 2 » . وفي الآية ( 18 ) من سورة ( ق ) يقول تعالى : « ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ » . وفوق هذا وذاك ، فإنّ اللَّه تعالى مِن ورائهم محيط بكلّ شيء ، وفي الآية ( 1 ) من سورة النساء ، نقرأ : « إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً » . وكذلك في سورة الأحزاب ، الآية ( 52 ) : « وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً » . وفي الآية ( 14 ) من سورة العلق : « أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى » . والآية ( 21 ) من سورة سَبأ : « وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ » . ولكن المحلّقين في أجواء التّقوى وتهذيب النّفس ، يراقبون أفعالهم وسلوكياتهم ، قبل مراقبة اللَّه تعالى لهم ، ويعيشون الوَجَلَ والخَوف من أعمالهم وفعالهم ، وفي مُراقبةٍ دائمةٍ ، لِئَلّا يصدر منهم ما يسلب تلك النّعمة ، والحالة العرفانيّة التي يعيشونها مع اللَّه تعالى شأنه . أو بعبارةٍ أخرى : الرّقيب الباطني يعيش معهم وعلى يقظةٍ دائماً ، بالإضافة إلى الرّقابة الخارجيّة ، وخوف اللَّه تعالى . وفي الحقيقة ، فإنّ الإنسان في هذه الدنيا ، حاله حالَ الذي يمتلك جوهرةً ثمينةً ، يريد أن يقايضها بمتاع له ولعيالِه ، ومن حَوالَيهِ السرّاق وقطاعُ الطّريق ، ويخاف عليها من السّرقة أو البيع بِثَمنٍ بَخْسٍ ، وإن غفل عنها لِلَحظةٍ فسيُضَيّعها ، وتذهب نفسه عليها حَسراتٍ .

--> ( 1 ) . سورة الانفطار ، الآية 10 . ( 2 ) . سورة الانفطار ، الآية 12 .