الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
214
الأخلاق في القرآن
الخطوة التالية التي ذكرها علماء الأخلاق ، في خطّ الالتزام الدّيني بعد التّوبة : « المشارطة » : والقصد منها هو الإشتراط على النّفس وتذكيرها وتنبيهها ، وأفضل الأوقات لها هو بعد صلاة الفَجر ، والتنوّر بأنوار هذه العبادة الإلهيّة ، الكبيرة العظيمة عند اللَّه تعالى ، فيذكّر نفسه ويوصيها بأن تَتحرك في طريق الخَير والصّلاح ، فإذا ما انقضى العُمر فلن يفيد النّدم ، ولا يمكن الاستدراك ، وليجعل نصب عينيه هذه الآية الشّريفة : « وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ » « 1 » ، فإذا ما ضاع العُمر ، فلن ينفع شيءٌ بعده : « إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ » « 2 » . وعليه أنّ يُحدِّث نَفسه ، ويقول لها : تصوّري أنّ العُمر قد انقضى ، وزالت الحُجب وتجلّت الحقائق المُرّة ، وبرزت مَعالم العَذاب ، وهَولِ المطّلع ، ومُنكَر وَنكير ، فحينئذٍ تشعرين بِحالة النَّدم على ما عَمِلْتِ ، وتقولين : « رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ » « 3 » . وعلى فرض إنّك لم تسمعي جواب : « كلّا » ، وأعادوكِ إلى الدنيا فهل ستتعظين وتُكَفّرين عمّا قصرتِ في جَنب اللَّه ؟ ؟ ثمّ يوصي نفسه بجوارحه السّبعة : العَين والاذن واللّسان واليّد والرّجل والبطن والفَرج ، فهذه الجوارح مُنصاعَةٌ لكِ اليوم وفي خدمتك ، فلا تقحميها في المعاصي ، فإنّ لجهنَّم سبعة أبوابٍ ، لكلِّ باب جماعةٌ خاصةٌ من النّاس ، يدخلون جهنّم منها ، فعليك بالسيّطرة الدّقيقة على الجوارح لئَّلا تنحرف عن الطّريق القويم ، والهدف المرسوم لها ، وبذلك توصَد أبواب جهنم دونها ، وتفتح أبواب الجنان لها ؟ . ويُوصي النّفس بالمُراقبة لِجوارحه ، للاستعانة بها في طريق الطّاعة لا المعصية ، فهي نِعَمٌ كبيرةٌ مُحاسب عليها الإنسان غداً . ونَجد في أدعية الإمام السجاد عليه السلام ، تأكيداً لمسألة المُشارطَة في حركة الإنسان المنفتح على اللَّه .
--> ( 1 ) . سورة العصر ، الآية 1 و 2 . ( 2 ) . سوره العصر ، الآية 3 و 4 . ( 3 ) . سورة المؤمنون ، الآية 100 .