الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

196

الأخلاق في القرآن

شركهم وقبلت توبتهم ، وكذلك كلّ من يدخل في الإسلام في عصرنا الحاضر ، فتوبته مقبولةٌ عند جميع علماء المسلمين ، ولكن إذا مات المُشرك وهو على شِركه ، فلن يتوب اللَّه تعالى عليه ، أمّا في حالة أن يموت على التّوحيد ، ولكنّه قد ارتكب ذنوباً في سالف حياته ، فمن الممكن أن يعفو عنه اللَّه تعالى ، وهذا ما نستوحيه من مفهوم الآية الكريمة . وخلاصة القول ، أنّ المشركين لن يشملهم العفو الإلهي المنفتح على الخلق ، بل هو للمؤمنين الموحّدين ، والتّوبة تغفر كلّ الذنوب حتى الشّرك . ثانياً وثالثاً : يجب أن تكون التّوبة مُباشرةً بعد الذنب ، ولا تؤخّر إلى وقتٍ بعيدٍ ، وكذلك يجب أن يكون ارتكاب الذنب عن جهالةٍ لا عن عنادٍ ، ونقرأ في الآية ( 17 ) من سورة النساء : « إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً » . والجدير بالملاحظة ، أنّ كثيراً من المفسّرين ، حملوا هذه الآية على التّوبة الكاملة ، لأنّه من الطّبيعي ، عندما يُذنب الإنسان من موقع العناد والغيّ ، ثم يتوجّه لحقيقة الحال ، ويندم على أفعاله السّابقة ، فإنّ الباري تعالى يتوب عليه ، وقد حدّثنا التأريخ عن نماذج كثيرةً وأفراداً كانوا في صفوف المُعاندين والأعداء ، ثم رجعوا عن غيّهم وتابوا ، وعادوا إلى حضيرة الإيمان والصّلاح . ومن المعلوم حتماً ، لو أنّ الإنسان أمضى عمره بالذّنوب والعصيان ، ولكن تاب بعدها توبةً نصوحاً ، وتحول من دائرة المعصية والإثم ، إلى دائرة الطّاعة والإيمان ، فإنّ اللَّه تعالى سيقبل توبته لا محالة . ونقرأ في الحديث المشهور عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله ، أنّه قال : « مَنْ تابَ إِلى اللَّهِ قَبْلَ مَوتِهِ بِسَنَةٍ تابَ اللَّهُ عَليهِ ، وَقَالَ : ألا وَسنَةُ كَثِيرَ ، مَنْ تابَ إِلى اللَّهِ قَبْلَ مَوتِهِ بِشَهْرٍ تابَ اللَّهُ عَلَيهِ ، وَقَالَ : شَهْرُ كَثِيرٌ ، مَنْ تابَ إِلى اللَّهِ قَبْلَ مَوتِهِ بِجُمْعَةٍ تابَ اللَّهُ عَلَيهِ ، قَالَ : وَجُمْعَةُ كَثيرٌ ، مَنْ تابَ إِلى اللَّهِ قَبْلَ مَوتِهِ بِساعَةٍ تابَ اللَّهُ عَلَيهِ ، ثُمَّ قَالَ : وَساعَةُ كَثِيرٌ ، مَنْ تابَ إِلى اللَّهِ قَبْلَ أنْ يُغَرغِرَ بِالمَوتِ تابَ اللَّهُ عَلَيهِ » « 1 » .

--> ( 1 ) مستدرك الوسائل ، ج 12 ، ص 145 ، ( باب صحة التوبة في آخر العمر ، ح 5 ) .