الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
180
الأخلاق في القرآن
أشارت إلى فئةٍ من اليهود الذين مارسوا أنواعاً كثيرةً من الجرائم بحقّ الإسلام والمسلمين من قبيل التّجسس وتحريف الحقائق الواردة في الكتب السّماويّة ، فقال الباري تعالى : « أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ » . ويعقّب مباشرةً قائلًا : « سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ » . وهذا التعبير يبيّن أنّ عدم طهارة قلوبهم ، إنّما كان نتيجة لأعمالهم ، الّتي منها تكذيب الرّسول والآيات الإلهيّة ، وأكلهم للحرام بصورةٍ دائمةٍ ، ومن البعيد في خطّ البّلاغة والفصاحة ، أن يأتي بأوصاف لا علاقة لها بجملة : « لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ » . ومنها يعلم أنّ أكل السّحت يسوّد القلب ويُميته ، ويكون سبباً لنفوذ عناصر الرّذيلة ، والزيغ ، والابتعاد عن الخير والفضائل . وفي الآية ( 91 ) من سورة المائدة ، ورد الحديث عن شرب الخمر ولعب القمار ، فقال عزّ من قائل : « إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ » . ولا شك فإنّ العداوة والبغضاء ، هي من الحالات الباطنيّة ، التي ترتبط برابطةٍ وثيقةٍ مع شرب الخمر ولعب القمار ، كما ورد في الآية الشريفة ، وهو دليل على أنّ أكل السّحت والشّراب الحرام يساعد على بروز الرذائل الأخلاقية ، وتكريس حالات العداء والخصومة بين الأفراد ، في خط الشيطان . ونقرأ في الآية ( 51 ) من سورة المؤمنون ، قوله تعالى : « يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً » . ويعتقد بعض المفسّرين أنّ تقارن ذكر هذين الأمرين : وهما « أكل الطّيبات والعمل الصالح » ، هو خير دليلٍ على وثاقة العلاقة بينهما ، وهي إشارةٌ إلى أنّ إختلاف وتنوّع الأكلات والأطعمة ، له معطيات أخلاقية مختلفة ومتنوّعة أيضاً ، فأكل الطيّبات ، يطيّب الرّوح ويصلح العمل ، وبالعكس فإنّ الأكل الحرام يُظلم الرّوح ، ويخبّث العمل « 1 » . وقد إستدلّ في تفسير « روح البيان » ، وبعد إشارته لعلاقة العمل الصّالح بأكل الطيّبات ،
--> ( 1 ) . يرجى الرجوع إلى تفسير الأمثل ، ذيل الآية 51 ، من سورة المؤمنون .