الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
164
الأخلاق في القرآن
الأمور رأساً على عقب ، بحيث يضحى الخطأ صواباً في الواقع الأخلاقي والفكري لدى النّاس . وفي « الآية الخامسة » : يوجد موضوع جديد بالنّسبة لِدَور العادات والسّنن في تحول القيم الأخلاقيّة ، وهو : أنّ قوم لوط الذين سوّدوا وجه التّأريخ بأفعالهم الشّنيعة ، ( ولِلأسف الشّديد ، نرى في عصرنا الحاضر ، أنّ الحضارة الغربيّة أقرّت تلك الأفعال على مستوى القانون أيضاً ) ، فعند ما دعاهم لوط عليه السلام ، والقلّة من أصحابه ، إلى التّحلي بالتّقوى والطّهارة في ممارساتهم وأفعالهم ، تقول الآية أنّهم إغتاظوا من ذلك بشدّةٍ : « وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ » . فالبيئة الملوّثة ، والسّنن الخاطئة والثّقافة المنحطّة أثّرت فيهم تأثيراً سلبياً ، ممّا حدى بهم إلى اعتبار الطّهارة والتّقوى جنايةً ، والرّذيلة والقبائح من عناصر العزّة والافتخار ، ومن الطّبيعي ، فإنّ الرذائل تنتشر بسرعةٍ في مثل هذه البيئة ، التي تعيش أجواء الإنحطاط والخطيئة ، وتندرس فيها الفضائل كذلك . « الآية السادسة » : تقصّ علينا قصّة وأدِ البنات الُمريعة في العصر الجاهلي ، ولم يكن سبب ذلك سوى تحكيم الخُرافات والسّنن الخاطئة في واقع الفكر والسلوك لدى الأفراد ، فقد كانت ولادة البنت في الجاهليّة عاراً على المرء ، وإذا ما بُشّر أحدهم بالأنثى يظلّ وجهه مسودّاً من فرط الألم ، والخجل ، على حدّ تعبير القرآن الكريم « 1 » : « وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَ يُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ » . ولا شكّ أنّ القتل من أقبح الجرائم ، وخصوصاً إذا كان القتيل طفلًا وليداً جديداً ، ولكن
--> ( 1 ) . قال بعض المفسّرين : بناءً على العلاقة الوثيقة بين القلب والوجه ، فإذا ما فرح الإنسان ، يتحرك الدّم الشّفاف نحو الوجه ويصبح الوجه مضيئاً ونورانياً ، وعندما يهتم ويغتم الإنسان فإنّ الدورة الدموية تقل سرعتها ويصفّر الوجه ويسود ، وتعتبر هذه الظاهرة ، علامةً للفرح أو الحُزن : ( تفسير روح المعاني . . . ذيل الآية الشريفة ) .