الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

159

الأخلاق في القرآن

4 - وَوَرد عنه عليه السلام أيضاً ، في إشارةٍ إلى أنّ الجاهل يعيش دائماً في حالة إفراطٍ أو تفريطٍ ، فقال : « لا تَرى الجَاهِلَ إلّا مُفْرِطاً أو مُفَرِّطاً » « 1 » . فطبقاً للرأي المعروف عن علماء الأخلاق ، أنّ الفضائل الأخلاقيّة هي الحد الأوسط بين الإفراط والتفريط ، الذي ينتهي إلى السّقوط في الرذائل ، ويُستفاد من الحديث أعلاه ، أنّ العلاقة بين الجهل من جهة والرذائل الأخلاقيّة ، من جهةٍ أخرى ، هي علاقةٌ وطيدةٌ جدّاً . 5 - يقول كثير من علماء الأخلاق ، أنّ الخُطوة الأولى لإصلاح الأخلاق ، وتهذيب النّفس ، هي المحافظة على اللّسان والاهتمام بإصلاحه ، وقد ورد في الأحاديث الإسلاميّة ، تأكيد على علاقة الجهل ببذاءة اللّسان ، فنقرأ في حديثٍ عن الإمام الهادي عليه السلام : « الجَاهِلُ أَسِيرُ لِسانِهِ » « 2 » . وخُلاصة القول ، أنّ الرّوايات الإسلاميّة الكثيرة أكدت على علاقة العلم بالأخلاق الحسنة ، والجهل بالأخلاق السيّئة ، وكلّها تؤيد هذه الحقيقة ، وهي أنّ إحدى الطّرق المؤثرة لتهذيب النّفوس ، هو الصّعود بالمستوى العلمي والمعرفي لِلأفراد ، ومعرفة المبدأ والمعاد ، والعلم بمعطيات الفضائل والرذائل الأخلاقية ، في واقع الإنسان والمجتمع . هذا الصعود بالمستوى العلمي للأفراد على نحوين : النحو الأول : زيادة المعرفة بسلبيات السّلوك المنحرف ، والإطّلاع على أضرار الرذائل الأخلاقية بالنسبة للفرد والمجتمع ، فمثلًا عندما يُحيط الإنسان علماً ، بأضرار المواد المخدّرة أو المشروبات الكحولية ، وأنّ أضرارها لا يمكن اصلاحها على المستوى القريب ، فذلك العلم سيهيّىء الأرضيّة في روح الإنسان ، للإقلاع عن تلك السلوكيّات المضرّة ، وبناءً عليه فكما أنّه يجب تعريف النّاس بمضرّات المخدرات ، والمشروبات الكحولية ، وعلينا تعريف النّاس بطرق مُحاربة الرّذائل وإحصاء عُيوبها ، وأساليب تنمية الفضائل ، وإستجلاء محاسنها ، ورغم أنّ ذلك لا يُمثّل العلّة التّامة لإحداث حالة التغيير ، والتّحول في الإنسان ، ولكّنه بلا شك يمهّد

--> ( 1 ) . نهج البلاغة ، الكلمات القصار ، الرقم 70 . ( 2 ) . بحار الأنوار ، ج 75 ، ص 368 .