الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
146
الأخلاق في القرآن
الإنسان ومحتواه الداخلي ، فقال تعالى : « إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ » . فالذرّية التي بعضها من بعضٍ ، إشارة لعامل الوراثة أو التربية الاسريّة ، أو كلاهما وهو شاهد حيٌّ يؤيد مُدّعانا من تأثير عناصر الوراثة والتربية ، في الشّخصيّة ومعطياتها في خط التّقوى والفضيلة . وأشارت الرّوايات التي نُقلت في ذيل هذه الآية ، لذلك المعنى « 1 » أيضاً ، وعلى كل حال ، فإنّ الآيات الآنفة الذّكر ، تدلّ على مدى تأثير معطيات التربية والبيئة والوراثة ، في نفسية الإنسان ، وأثرها العميق في صياغة قابليّاته ، والارتفاع به للتّصدي لمقام الرئاسة المعنويّة على الخلق ، ولا يمكن إنكار تلك المَعطيات ، ولا يمكن أبداً مُقايسة هؤلاء الأطهار الذين عاشوا أجواءَ الفضيلة ، بالّذين ورثوا الكفر والفساد والنّفاق من آبائهم وأجدادهم . وفي « الآية الرابعة » : خاطب الباري تعالى المؤمنين وقال لهم : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ » . وقد تَلت هذه الآية ، الآيات الّتي جاءت في بداية سورة التّحريم ، والتي حذّرت فيها نساء النّبي صلى الله عليه وآله من أعمالهنّ ، وبعدها ذكر المطلب بصورة حكمٍ عامٍّ شمل كلّ المؤمنين . ومن المعلوم أنّ المقصود من هذه النار ، هي نار الآخرة ، ولا يمكن الإتقاء من تلك النار ، إلّا بالاهتمام بعمليّة التعليم والتربية السّليمة في واقع الأسرة ، والتي بدورها توجب ترك المعاصي ، والإقبال على الطّاعة وتقوى اللَّه تعالى . وبناءً على ذلك فإنّ هذه الآية تعيّن وتبيّن وظيفة ربّ الأسرة ، ودوره في التّربية والتعليم ، وكذلك تبيّن أهميّة وتأثير عنصر التربية والتعليم ، في ترشيد الفضائل والأخلاق الحميدة ، والسيّرة الحسنة . ويجب الاهتمام في ترجمة هذا البرنامج ، إلى عالم الممارسة والتطبيق ، من أوّل لبنةٍ توضع في بناء الأسرة ، أي منذ إجراء عقد الزّواج والرّباط المُقدس ، ويجب الاهتمام بأسلوب التربية ، من أوّل لحظةٍ يولد فيها الطّفل ، ويستمر البرنامج التّربوي في كلّ المراحل التي تعقبها .
--> ( 1 ) . يرجى الرجوع إلى نور الثقلين : ( ج 1 ، ص 331 ) .