الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

141

الأخلاق في القرآن

1 - من جملة الأمور الّتي توصل إليها علماء النّفس ، هو وجود روح الُمحاكاة في الإنسان ، يعني أنّ الأفراد ينطلقون في حركة الحياة ، من موقع الشّعور أو اللّأشعور ، بمُحاكاة أصدقائهم وأقاربهم ، فالأشخاص الّذين يعيشون حالة الفرح والسرور ، ينشدون الفرحة والحُبور من حواليهم ، والعكس صحيح . فالأفراد المُتشائمين ، الذين يعيشون اليأس وسوء الظن ، يؤثرون على أصحابهم ، ويجعلونهم يعيشون حالة سوءِ الظّن ، وهذا الأمر يبين لنا السّبب في تأثير الأصدقاء بعضهم بالبعض الآخر بسرعةٍ . 2 - مَشاهدة القبائح وتكرارها ، يُقلّل من قبحها في نظر المشاهد ، وبالتدريج تصبح أمراً عاديّاً ، ونحن نعلم أنّ إحدى العوامل المؤثّرة في ترك الذنوب والقبائح ، هو الإحساس بقبحها في الواقع النّفسي للإنسان . 3 - تأثير التّلقين في الإنسان غير قابل للإنكار ، وأصدقاء السّوء يؤثرون دائماً على رفقائهم في دائرة الفكر والسّلوك من خلال عمليّة التلقين والايحاء ، فيقلبون عناصر الشرّ في اعتقادهم إلى عناصر الخير ، ويغيّرون حسّ التّشخيص لديهم لعناصر الخير والشرّ في منظومة القيم ، فتختلط عليهم الأمور ، في خطّ المستقبل وكيفيّة التعامل مع الغير . 4 - المُعاشرة لرفاق السّوء ، يشدّد سوء الظن في الإنسان مع الجميع ، وتفضي به هذه الحالة النّفسية السلبيّة إلى السّقوط في وادي الذّنوب والفساد الأخلاقي ، فنقرأ في حديث عن أمير المؤمنين عليه السلام : « مُجالَسَةُ الأَشرارِ تُورِثُ سُوءَ الظَّنِّ بالأَخيارِ » « 1 » . وجاء في حديث آخر عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله ، أنّ معاشرة رفاق السّوء تميت القلب ، فقال : « أَربَعٌ يُمِتنَ القَلبَ . . . وَمُجالَسَةُ المَوتى ؛ فَقِيلَ لَهُ يا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا المَوتى ؟ ، قَالَ صلى الله عليه وآله : كُلُّ غَنِيٍّ مُسْرِفٍ » « 2 » . وهذا الموضوع ، يعني سريان الحُسن والقُبح الأخلاقي بين الأصدقاء ، في أجواء المُعاشرة إلى درجةٍ من الوضوح ، ممّا حدى بالشّعراء إلى نظم الشعر في هذا المضمار ، من قبيل قولهم :

--> ( 1 ) . صفات الشيعة ، الصدوق نقلًا عن بحارالأنوار ، ج 71 ، ص 197 . ( 2 ) . الخصال ، ( طبقاً لنقل بحار الأنوار ، ج 71 ، ص 195 ) .