الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
132
الأخلاق في القرآن
الحَسناءِ فِي مَنْبَتِ السُّوءِ » « 1 » . هذا التّشبيه البليغ ، يمكن أن يكون إشارةً ، لتأثير المحيط الصّالح والسّيء في شخصية الإنسان ، على المستوى الإيجابي والسّلبي ، أو هو إشارةٌ لمسألة الوراثة ، وتأثيرها على مُجمل الشّخصية ، أو إشارةٌ للإثنين معاً . وفي « الآية الثانية » : إشارةٌ لقوم بني إسرائيل ، الّذين بقوا لسنواتٍ طويلةٍ ، تحت إشراف وتعليمات النّبي موسى عليه السلام ، في عمليّة الهداية الرّوحية والمعنويّة ، وفي مجال التوحيد وسائر الأصول الدينيّة ، ورأوا بامّ أعينهم المعجزات الإلهيّة ، كإنفلاق البحر لهم ، ونجاتهم من براثن فرعون وجنوده ، ولكن وبمجرد أن صادفوا في طريقهم للشام والأرض المقدسة ، قوماً يعبدون الأصنام ، تأثّروا بهم وبمحيطهم الملّوث ، وقالوا : « يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ » . فتعجّب موسى عليه السلام من هذا الانقلاب ، وغضب غضباً شديداً ، من قولهم هذا وقال لهم : « إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ » . وأخذ يبيّن لهم مفاسد عبادة الأصنام . والعجيب أنّ قوم بني إسرائيل ، وبعد التّوضيحات الصّريحة والمكرّرة لموسى عليه السلام ، بقوا تحت تأثير هذا المحيط المسموم السّلبي ، بحيث استطاع السّامري أن يتحرك من موقع إغوائهم ، وتفعيل عناصر الانحراف لديهم في غيبة موسى عليه السلام ، والّتي إستغرقت عدّة أيّام ، حيث صنع لهم صنماً من ذهبٍ ، وتبعه الغالبيّة من هؤلاء القوم ، وتحوّلوا من أجواء التّوحيد إلى أجواء الشّرك . فهذا الأمر يمثل علامةً واضحةً على تأثير المحيط السّلبي ، في صياغة السّلوك الإنساني ، من موقع الانحراف والزيغ في دائرة المسائل الأخلاقية ، بل وحتّى العقائديّة أيضاً ، ولا شك أنّ بني إسرائيل وقبل مرورهم بأولئك القوم ، كانت لديهم الأرضيّة المساعدة لعبادة الأصنام ، وذلك إثر بقائهم مع الوثنييّن المصرييّن لمدةٍ طويلةٍ ، فعند ما رأوا ذلك المنظر ، عادوا في دائرة الذّاكرة إلى ذلك الماضي الأسود ، وعلى كل حال فإنّ كلّ هذه الأمور ، هي دليل واضح على تأثير
--> ( 1 ) . وسائل الشيعة ، ج 14 ، ص 19 ، ح 7 - بحار الأنوار ، ج 100 ، ص 232 ، ح 10 .