عبد المنعم الحفني

1681

موسوعة القرآن العظيم

وإنما فعلنا ذلك لتأييد شريعته ، وجوّزوا وضع الكذب لتثبيت ما ورد في القرآن والسنّة ، واحتجّوا بأنه كذب له لا عليه ! وقالوا : في الحديث : « من كذب علىّ ليضل به الناس فليتبوأ مقعده من النار » ، وفي القرآن : فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ ( 144 ) ( الأنعام ) . وهم كذبوا حقا وإنما ليهدوا لا ليضلّوا ، وهذا هو عذرهم ، والعذر أقبح من الذنب ، فمن يضمن أنهم سيكذبون ليهدوا ؟ وما هو فهمهم للهداية ؟ ويهدون إلى ما ذا ؟ * * * 1347 - ( ربّ مبلّغ أوعى من سامع ) المسلم مبلّغ ومبلّغ ، ولا يستنكف مسلم أن يبلّغ ما يسمع من العلم ، ولا يتقاعس عن أن يأخذ عن المبلّغين ، وأن يكون مبلّغا ، كقوله تعالى : يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ ( 67 ) ( المائدة ) ، والخطاب للرسول صلى اللّه عليه وسلم ، ومن بعده لكل مسلم قد خلفه ، كقوله : إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ ( 23 ) ( الأحقاف ) ، وكل علم هو رسالة من اللّه تعالى واجبة التبليغ . وفي الحديث : « ربّ مبلّغ أوعى من السامع وليبلّغ الشاهد الغائب » أي ربّ مبلّغ عن الرسول صلى اللّه عليه وسلم أفهم لما يقول من سامع قد سمع منه شخصيا ؛ وفي المعنى العام أن المبلّغ بالعلم من غير عالم ، والغائب الذي يسمع بالعلم من آخر شهد أهل العلم واستمع لهم ، قد يدرك به تطبيقات ومجالات من الفهم أوسع وأكثر ممن سمعه منهم مباشرة . وليست العبرة بما نسمع ونشهد ونقرأ ، ولكن العبرة بما يتخلّف من القراءة والسماع والرؤية ، والناس في الفهم متباينون ، فهناك من يسمع ويرى ولا يجدى معه ما يسمع وما يرى ، كالأرض الصلبة ينزل عليها المطر فيسيل عنها ولا يبقى منه شئ لها تفيد منه ؛ وهناك من يسمع ولا يفيد إلا القليل ، كالأرض السبخة يرويها المطر ولكنها لا تتقبل الزرع بها إلا قليلا ، وأما الأرض الجيدة فهي التي ينمو فيها الزرع ويصحّ ، فكذلك الناس ، فمنهم الواعي الذي يعقل ما يسمع ، والأوعى منه وهو الذي ينفعل به ويدعو إليه لأنه ينفع الناس ، فهكذا المسلم العالم الداعية المبلّغ . * * * 1348 - ( العالم يعلم ويعلم ) العلماء ثلاثة : العالم العامل المعلّم : كالأرض الطيبة شربت الماء فانتفعت به في نفسها وأنبتت فنفعت غيرها ؛ والعالم الجامع للعلم : المستغرق فيه لزمانه ، غير أنه لم يعمل به ، ولم يتفقه فيما جمع ، ولكنه أدّاه لغيره ، فهو بمنزلة الأرض التي يستقر فيها الماء فينتفع الناس به ، وهو المشار إليه بقول الرسول صلى اللّه عليه وسلم : « نضّر اللّه امرأ سمع مقالتي فأدّاها كما