عبد المنعم الحفني

1657

موسوعة القرآن العظيم

« الطيبون » إذن هم الذين يدخلون جنات عدن ، ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم ، تحيّيهم الملائكة من كل باب ، يقولون لهم قبل الدخول : سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 32 ) ( النحل ) ، ويقولون لهم بعد الدخول : سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ( 24 ) ( الرعد ) . والمستشرقون على القول بأن جنة عدن أخذها محمد من التوراة ، من سفر التكوين ، الفصل الثاني ، العبارة 8 ، ولا أجد مناسبة إطلاقا بين ما في التوراة عن هذه الجنة وما في القرآن ، فجنة التوراة بمعنى « بستان » ، جعله اللّه لآدم في الدنيا ، وعلى الأرض ، ليزرع فيه ويأكل من زرعه ، وأنبت له من كل الثمرات ، ويخرج منه نهر يسقيه ويتشعب إلى أربعة أنهر ، أحدها في الحويلة ، والآخر في الحبشة ، والثالث في آشور ، والرابع هو الفرات ! ! ! والكلام - كما ترى - غير علمي ، ويتصادم بشدة مع حقائق الجغرافيا ، وكما ترى فإن جنة أو بستان عدن - كما يجيء في التوراة - هي جنة واحدة ، يعنى بضعة قراريط من الأرض بوسع آدم وزوجته أن يفلحها وتكفيه لطعامهما ! وأما جنات عدن في القرآن فهي بصيغة الجمع في الإحدى عشرة مرة التي أتت فيها في مختلف سوره ، ومكانها الآخرة ، وأما مفسرو التوراة ، فلمّا صدّقوا أن جنة عدن في الأرض ، ذهبوا كل مذهب يبحثون أين كانت وفي أي مكان ، قالوا : إنها كانت في تركيا ، لأن الفرات والدجلة ينبعان منها ؛ وقال غيرهم : كانت في جنوب العراق حيث يتفرّع الفرات والدجلة ويصبان في شط العرب ؛ وقيل : إن سهل بابل كان قديما يسمى عدنو ، والحويلة جزء من الجزيرة العربية يجاور العراق ، فمن المحتمل أن جنة عدن هي عدنو هذه . وسبب تكهنات اليهود حول الاسم عدم اعتقادهم بوجود زمان ومكان خارج التاريخ ، وما قاله هايدجر في ذلك هو بتأثير الثقافة اليهودية فيه ، وما أخذه عنه الدكتور عبد الرحمن بدوي هو ذلك الجانب من اليهودية المتعلق بنفي الآخرة زمانا ومكانا ، وفي كتابه « الزمان الوجودي » يشرح ذلك بإسهاب ، فهو ابن الثقافة اليهودية بلا منازع ، وكذلك معلمه هايدجر الألماني ! والمسلمون على الاعتقاد بوجود زمان ومكان خارج هذا الزمان وهذا المكان ، واصطلحوا عليه باسم الآخرة ، والجنة والنار ، ولذلك قالوا بأن جنّات عدن هي دار المقام بالآخرة ، وأما اليهود فقالوا إن عدن معناها البهجة والسرور ، وجنة عدن هي حديقة اللّه لآدم على الأرض ، فانظر إلى مقصد اليهود والمسلمين من تفسير كلمة عدن ، والتفسير العربي هو المنطقي ، لأن المعادن والمعدن وفعل عدن كلها مشتقة من الإقامة ولا تشتق من السرور . وما كانت جنة عدن العبرية دار سرور وبهجة ، بل كانت دار نحس ورزء ، لأن فيها عصى اللّه آدم فكان ما كان ، وفي القرآن أن