عبد المنعم الحفني

1653

موسوعة القرآن العظيم

وقوله : جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ ( 23 ) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ( 24 ) ( الرعد ) ، فالدار غدا داران : دار للتقيّ المطيع ، ودار للفاجر العاصي . والعقبى آخر كل شئ ، وعقبى الدار : هي الدار الآخرة ؛ وأما عاقبة الدار : فهي دار الجزاء وهي سوء الدار ، كقوله تعالى : رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ( 37 ) ( القصص ) ، ونقيض ذلك قوله : وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ( 25 ) ( الرعد ) ، وسوء الدار هي جهنم ، وهي أيضا دار البوار ، كقوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ ( 28 ) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ ( 29 ) ( إبراهيم ) ، والبوار : هو الهلاك ؛ والقرار : هو الإقامة ، وبئست الإقامة في جهنم ، مقارنة بالإقامة في الجنة - وهي الدار الآخرة للمؤمنين : وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ( 64 ) ( العنكبوت ) : أي دار الحياة الباقية التي لا تزول ولا موت فيها ، والحيوان : بمعنى الحياة ، ويقال لكل شئ حىّ أنه حيوان ، والدار الحيوان وعدها اللّه للمتّقين : تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ( 83 ) ( القصص ) . * * * 1312 - ( الجنة ) الجنة في القرآن لها دلالات ، بعضها يعنى أنها البستان كقوله تعالى : وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ . . . ( 32 ) ( الكهف ) ، وقوله : لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ ( 15 ) ( سبأ ) ، وقوله : إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ ( 17 ) ( القلم ) ، وقوله : وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً ( 12 ) ( نوح ) . وأكثر دلالات الجنة أنها دار الجزاء تكون بعد الموت ، وهذه هي الدلالة الاصطلاحية . وعند الصوفية الجنة ثلاث جنات : جنة الأفعال : وهي الجنة الصورية من جنس المطاعم اللذيذة والمشارب الهنية والمناكح البهية ، ثوابا للأعمال الصالحة ، وتسمى جنة الأعمال ، وجنّة النفس : فلأن الصالح في هذا الاعتبار مادي ، فالجنة مادية في مظهرها وإن كانت نفسية في مخبرها ، وهي جنة الوراثة : وراثة الأخلاق الحاصلة بحسن متابعة النبىّ صلى اللّه عليه وسلم وأهل التّقى والصلاح ، باعتبار الصالح هو الوارث للصالحين ، وصلاحه أخلاقي ، وسبب صلاحه كان صلاح من حوله كبيته ، وأهل جيرته ، وبلده ، فالصالح يتحقق به في المكان جنة ، حيثما ظهر صلاحه وأثمرت دعواته ؛