عبد المنعم الحفني

1639

موسوعة القرآن العظيم

في ذلك ، وكيف أن المال والمنصب والجاه والسلطان قد زالوا جميعا ، وانصرف عنهم الأحياء والأنباء ، والأزواج والأبناء والإخوة والخلّان ، ولم يبق لهم إلا صالح الأعمال ، وأما أجسادهم التي كانت مثلا في القوة والجلاد ، ووجوههم التي كانت علامات في الحسن والجمال ، وألسنتهم التي كانت آيات في البلاغة والبيان ، فكل ذلك أكله الدود وأبلاه التراب ، وهكذا سيكون الزائر ، ويكون مآله ، فإذا قدّر الأمور هكذا فربما يعتبر ، وتزول عنه أغيار الدنيا فيزهد فيها ، ويقبل على طاعة اللّه . ومن التذكير بالموت في الحال والمآل قوله تعالى : وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ ( التوبة 84 ) ، والآية نصّ في عدم الصلاة على الميت : الفاسق ، أو الكافر ، أو المنافق ، وعدم القيام على القبور إلا للمؤمنين ، للاستغفار لهم ، وهو من أكبر القربات في حقّهم ، وشرع لهم ، وفي الرواية أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان إذا فرغ من دفن الميت ، وقف على قبره وقال : « استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت ، فإنه الآن يسأل » أخرجه أبو داود ، وكان يزور قبور أصحابه ويسلّم عليهم كلما ألمّ به المرض واشتدت به العلّة ، وكان يقول لهم : « السلام عليكم دار قوم مؤمنين » ، أو يقول : « السلام عليكم أهل القبور - ، من كان منكم من المسلمين والمؤمنين . أنتم فرط لنا ، وإنّا بكم لاحقون ، وإنّا للّه وإنّا إليه راجعون . اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنّا بعدهم » . وفي الحديث عن زائر القبور : « لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتني مكانه » ، يقول ذلك لحزنه على الدين الذي ذهب ، وغلبة الفلسفات الباطلة وكثرة الداعين لها ، وظهور الاستبداد والطغيان ، والعمالة للأجنبي ، وفساد نظم الحكم ، وسيادة اليهود والدول الإمبريالية ، وسحقها للقومية والوطنية ، ومحاربتها للعقيدة والقيم والمبادئ والأخلاق ، وانتشار العلمانية والإلحاد ، والعولمة ، والليبرالية . وفي الآية : وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ ( فاطر 22 ) تشبيه لهؤلاء بالموتى في القبور ، قد سلبوا المدارك والحواس ، وهكذا هؤلاء العلمانيون والليبراليون والعولميون أعداء الإسلام ، صمّوا آذانهم عن الدعوة ، ونأت قلوبهم عن الإيمان ، فلم تعد تنفعهم هداية ، وذلك هو بعض اعتبار زيارة القبور . وأما أن الموتى : يسمعون على الحقيقة وليس على المجاز ، فربما ذلك معنى الآية : إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ ( فاطر 22 ) ، فهو تعالى قادر على أن يسمع الموتى من المؤمنين استغفار ذويهم من زائريهم ، وهو قوله تعالى : أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها ( الأنعام 122 ) ، وقوله : مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا ( هود 24 ) ، فالمؤمن - كما قيل - بصير سميع ، سواء كان حيا أو كان ميتا ، وله نور يكتنفه