عبد المنعم الحفني

1570

موسوعة القرآن العظيم

وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ( النحل 125 ) ، فالتي هي أحسن هي الموعظة الحسنة ، واستثنى من أهل الكتاب « الذين ظلموا » وهم أهل الحرب . ومن الخطأ أن يقال أن آية « الجدل بالتي هي أحسن » نسختها « آية القتال » المسماة « آية السيف » أيضا التي تقول : قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ( التوبة 29 ) فالمقصود مقاتلة « هؤلاء الذين ظلموا » - يعنى أهل الحرب - وليس كل أهل الكتاب . ومن علامات المجادل في الباطل أن يكون جداله : بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ ( الحج 3 ) مثل النضر بن الحارث ، وأبى جهل بن هشام ، وكلاهما كان بلا علم يصدر عنه ، وما كان له نبىّ قد تلقّى عليه ، ولا كان يرجع فيما يقول إلى كتاب ينطق بالحق ، وكان ينقل عن شياطين الإنس يملون عليه ما يقول ، وشياطين الجن يوسوسون في قلبه الجدال بالباطل . والنضر جادل في اللّه وقدرته على البعث ، وأبو جهل جادل في النبوة ، وعلى منوالهم جادل آخرون ، كقوله : الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ ( غافر 56 ) والسلطان هو الحجة والبرهان . والدافع إلى الجدال بلا حجة ولا برهان هو دافع نفسي في كل الأحوال وليس دافعا موضوعيا ، ويصدر عن الكبر وشعور متوهم بالعظمة ، فقد كانوا يزعمون أنهم محافظون وأصوليون إذا لم يتمسكوا بتراث الآباء فآثروا الكفر على الإيمان . والكبر هو الذي يجعل الإنسان أكثر شئ جدلا ، وهو الذي يصرف المتورطين في الجدال عن الحق ، كقوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ ( غافر 69 ) أي كيف يصرف الكبر عقولهم وقلوبهم إلى الجدل فيضلّون ولا يهتدون . * * * 1222 - ( الحرية من مصطلحات القرآن ) قالت امرأة عمران : رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً ( آل عمران 35 ) ، ومحرّرا من الحرية ضد العبودية ، ومن هذا تحرير الكتاب ، وهو تخليصه من الاضطراب والفساد . وقيل : إن المحرّر الخالص للّه ، لا يشوبه شئ من أمر الدنيا . وفي اللغة يقال لكل ما خلص : حرّ ، ومحرّر بمعناه ، ويقال طين حرّ لا رمل فيه ، وفي القصاص فإن الآية : الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى ( البقرة 178 ) فيها إجمال يبيّنه قوله تعالى : وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ( المائدة 45 ) ، وأوضحته السنّة لما قضى الرسول صلى اللّه عليه وسلم بقتل اليهودي بالمرأة ، فلا أحرار ولا عبيد في القصاص ، ولا ذكور ولا إناث ، والكل سواء ، ومن قتل نفسا عامدا يقتل بها ، فالحرّ يقتل بالعبد ، والمسلم يقتل بالذمّى ، ويتساوى الذمي والمسلم في حرمة الدم ، وكلاهما محقون الدم على التأبيد ، ويعاقب المسلم بسرقة مال الذمي ، ويتساوى مال المسلم ومال الذمّى كمساواتهما في الدم ، والمال يحرم بحرمة مالكه ، والنفس تكافئ